الخليفة الوليد بن يزيد – خلفاء الدولة الاموية

الوليد بن يزيد

مرحبًا بكم في حلقة جديدة من سلسلة خلفاء الدولة الأموية. يتمتع كل خليفة بجوانب إيجابية وسلبية، ولكن شخصيتنا اليوم للأسف كانت سببًا في انفجار المشاكل والانقسامات في هذه الدولة الكبيرة والعظيمة. وقد صورت معظم المصادر هذه الشخصية بصورة سيئة وطُرِدَت من الإطار المقدس للسيرة السياسية للخلفاء المسلمين، بسبب سيطرة جوانبه الشخصية السيئة على سياسته. وشخصيتنا اليوم هي الوليد بن يزيد.

الوليد بن يزيد: شخصيته وتأثير أسرته على حكمه

الوليد بن يزيد، الذي وُلِدَ في العام التاسع من الهجرة، هو ابن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية. عند وفاة والده وهو في سن صغير – يُقال أنه كان عمره عشر سنوات – لم يكن بإمكانه أن يُصبح خليفة. فقد تم تعيين عمه هشام بن عبد الملك بوصف الخليفة، وعند وفاة هشام، تسلم الوليد الخلافة من بعده.

أمه هي زينب بنت محمد بن يوسف، وهي شقيقة الحجاج بن يوسف. كانت هي الزوجة الثانية ليزيد بن عبد الملك، وكانت مدللة وجميلة. ربت الوليد بتربية مترفة وناعمة، وكانت يفضله على بقية أبنائها. نجحت في إقناع زوجها يزيد بأن يهتم بالوليد أكثر، وبالفعل، كان يزيد يُفضِّله على أخواته. كان الوليد يميل إلى عمومه الثقفيين ويستجيب للضغط الذي تمارسه والدته عليه، فكان يلبي مطالب أعمامه ويخضع لهم ويرضي رغباتهم. كان معظم أعمامه يتمتعون بمناصب عالية في القصر وفي أماكن أخرى.

كان للوليد العديد من الأخوات، ولكن أخوه الغمر كان الأشهر والأكثر وثوقية للوليد. وكان يتشابهان في العديد من الصفات، وكان كلاهما يحبان الموسيقى ويشاركان في مجالس الترفيه والمرح.

علاقات الوليد بن يزيد: صداقة سعيد بن خالد ومأساة حبه لسلمي وزواجه من سعده

لقد كان ليزيد، والد الوليد، صديقًا مقربًا لسعيد بن خالد حتى الدرجة التي تزوج فيها ابنه الوليد من ابنة صديقه سعيد، وكان اسمها سعده. ومع وفاة يزيد، تغيرت علاقة الوليد مع زوجته سعده، حيث أنه وقع في حب شقيقتها سلمى. لذا طلق سعده لكي يتزوج بشقيقتها، إلا أنه ندم بشدة على هذا القرار.

حاول الوليد بشتى السبل استعادة سعده، لكنها رفضت وتزوجت بشر بن الوليد، العدو اللدود للوليد، بهدف الانتقام منه. واستمر الوليد في إرسال رسائل لسلمى، أخت سعده، للمصالحة، إذ كان يحبها بشدة، لكنها كانت ترفض دائمًا. ولم تكن سلمى جميلة للغاية، مما دفع الوليد للخروج والتجوال في بلدة سلمى وزيارة قصرها بسبب حبه الشديد لها.

وكان يتابعها بشكل مستمر. وصلت الأمور إلى درجة أن والدها بدأ يشدد الحراسة عليها. في النهاية، اصطحب والدها سلمى ورحل بعيدًا، ولم ييأس الوليد وقام بمطاردتها بعثرًا. بحث عنها العديد من الأشخاص لخطبتها له، وفي النهاية وافق والدها على زواجهم. لكن للأسف، لم تكتمل فرحة الوليد، حيث مرضت سلمى فور الزواج وتوفيت. نعاها الوليد وبكى عليها كثيرًا في شعره. وقد كان الوليد شاعرًا فصيحًا، وذلك بسبب تربيته في أيدي شعراء شهيرين اشتُهِرَوا بأعمالهم المميزة.

الوليد بن يزيد: حياة الرفاهية وانتشار الغناء في عهده

الوليد كان يتميز بجماله ووجهه البياض الساطع، وقد نشأ في حضن أمه ذات الثقافة الثقفية وجدته السفيانية، وتلقى الكثير من الدلال والتربية الرفيعة. كان مولعًا بالملذات والبهجة والنعمة، وذلك لأن حياته كانت خالية ومستريحة. ومع ذلك، كان عمه هشام يكرهه ويمقت أفعاله، فقد نُفِيَ وتم منع أي معونة عنه، وعاش جزءًا من حياته في الألم والحزن، حتى بدأت الشيبة تظهر في شعره وهو في سن الشباب.

ثم، عندما تولى الوليد الخلافة بعد عمه هشام، تسرف في حياة اللهو والرفاهية ليعوض عن ما فاته من حرمان خلال أيام نفيه. اختار أروع الأثاث لقصوره وأجمل الملابس وأفضل العطور، بل وأغلى منها لدرجة أن الناس كانوا يتحدثون عن دخولهم على الوليد وإعجابهم بالأثاث والمجوهرات والملابس التي كان يرتديها والكم الكبير من الخواتم. وكان يعشق الموسيقى ويهتم بجمع أشهر المغنيين لدرجة أنه انتشر الغناء بقوة في تلك الفترة، واستقبله الناس بشغف كبير حتى وصلت رواجًا في المدينة ومكة، وكانت تُقام احتفالات بالغناء. ورغم موافقة بعض الفقهاء على الغناء، إلا أن باقي الفقهاء عارضوه وحرّموه. ولعب الوليد دورًا كبيرًا في انتشار الغناء والفكاهة في تلك الفترة.

شغف الوليد بن يزيد بالغناء والخمر: عشق الموسيقى والمجالس الساهرة في عهده

سبب شغف الوليد بالغناء يعود إلى صغره حينما كان يحضر حفلات المغنيين مع والده في القصر، وكان يتلقى تأثير أخلاق والده. بالإضافة إلى ذلك، كان الوليد ماهرًا في آلات الغناء ومتقنًا لعزف جميع الآلات الموسيقية. ووصفه البعض بأنه شخص غريب وعجيب، وقيل عنه: “عندما يتأثر بالطرب، يجرّد ثيابه، وعندما يشرب، فإنه لا يشرب من كأس، بل يشرب من بركة الخمر بكمية كبيرة”.

كان للوليد مجموعة كبيرة من المضحكين والملهين والشعراء والظرفاء في محيطه. وكان مدمنًا على الخمر ويحتفل بمجالسه ويستمتع بها. وكان يشرب الخمر في أكواب من الذهب النادرة. وكان يدعو شعراءً من مناطق مختلفة للحضور ويقربهم منه ويكرمهم بمكافآت كثيرة. وكان الشعراء يدافعون عنه ويمدحونه في شعرهم حتى وصلوا لمدحه بالتقوى والورع.

السياسة الإدارية والسلوك الشخصي للوليد بن يزيد: إقالة الموظفين والتركيز على الشعر والترف

السياسة الإدارية للوليد بن يزيد في الدولة كانت مميزة بطريقة سلبية. فقد قام بإقالة معظم الموظفين الذين تم تعيينهم من قبل هشام وأتباعه، واستبعد غالبيتهم من العمل، واستعاض عنهم بعمال من القيسية. وللأسف، لم يكن للعلماء تأثير واضح في عهد الوليد بن يزيد.

بدأت سياسة الدولة تنهار تحت حكمه، نتيجة تفرغه للهو والترف، واستدعاء الأدباء والشعراء والمغنيين من مختلف الأماكن وصرف مبالغ كبيرة عليهم. كان الوليد ماهرًا جدًا في الشعر وأولَى اهتمامًا لهذا الجانب أكثر من اهتمامه بالخلافة بشكل عام. وله ديوان شعر معروف باسم “ديوان الوليد بن يزيد”، وتفوق في الشعر لدرجة أن الشعراء بدؤوا يستقوون منه ويوصفون شعره بأنه فريد وجميل.

وكان الوليد يتراسل بالشعر، وكان بعيدًا عن التقوى والإيمان. ويُقال أنه في مرة أمر بجلب مصحف، وعندما فتحه وقرأ الآية المذكورة (“واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد”)، أمر بتعليق المصحف وأخذ قوسًا ورمى المصحف حتى مزَّقه. وكان أعماله في الخلافة لم تُذكَر لأنه كان يهملها تمامًا، بل كان يعذب بشكل شديد أبناء عمه هشام حتى الموت.

أقرأ ايضا معاوية بن أبي سفيان

الثورة والمصير المروع للوليد بن يزيد: انقلاب يزيد ومصير الوليد الأليم

وكان الأمير الوليد بن يزيد يغيب عن دمشق، وفي تلك الأثناء، ينتظر ابن عمه، يزيد بن الوليد، الفرصة المناسبة للانقلاب على حكم الوليد. استغل يزيد تواجد الجماعات الأموية واليمانية والقدرية التي كانت تعارض الوليد، وقام بتنظيم ثورة ضده. اقتحم دمشق وبدأ في تحريض الناس ضد الوليد وجذبهم بالمال.

وللأسف، الوليد كان لا يعلم عن مؤامرة يزيد ومناصريه. دخلوا القصر واستولوا على خزائن الدولة والأسلحة. عندما علم الوليد بانقلاب يزيد، أمر بإغلاق أبواب البلاد وبدأ في التخطيط لمواجهة المتمردين. استمال الجنود والحراس الموالين له بمكافآت ووعود وعطايا سخية مقابل دعمهم ومساندتهم في القضاء على الثوار.

تجمع المعارضون وتحالفوا لمحاربة الوليد. على الرغم من خيانة بعض الأمراء السفيانيين في أصعب اللحظات، كان هناك أمل لدى الوليد في القضاء على هذا التمرد. وفي أثناء المعركة، ظهر رجل ونادى بقتل الوليد كما قتل قوم لوط، ودعا إلى رميه بالحجارة. عند سماع الوليد لهذه الكلمات، هرب الأشخاص الذين كانوا برفقته، لكن الوليد نفسه لازال يدافع عن نفسه ويعطي مبررات لتصرفاته.

ولكن الأشخاص الذين حاصروا الوليد أعلنوا غضبهم منه بسبب انتهاكه للمحارم وشربه للخمور واستخفافه بأمر الله. رد الوليد قائلاً إنه إذا قتلوه، ستنشأ فتنة عظيمة وسيتفرقون.

هبط عشرة رجال من أعلى الحصن وضربوه حتى قتلوه في جمادى الآخرة من العام 126 هجريًا. وأمروا بقطع رأسه وأمر يزيد بتعليقها. ومن المعروف أن الوليد تمت تشويه جسده ودفنه في الليل خارج باب الفراديس.

صفحتنا علي الفيس بوك

[ref]

  • ديوان الوليد بن يزيد بقلم الاستاذ خليل مردم بك عضو المجمع العلم                                         
  • سيرة الوليد بن يزيد دكتور حسين عطوان

[/ref]

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *