معاوية بن أبي سفيان , مؤسس الدولة الاموية

معاوية بن أبي سفيان

تعَدُّ الدولة الأموية إحدى أهمّ الممالكِ والدول الإسلاميةِ بعدَ الخلافةِ الراشدة، حيث كانت دولةً جِهَادِيَّةً بامتياز، استطاعتْ تَوْسِيعَ حُدودَ الدولةِ الإسلاميةِ إلى أقصى نقطةٍ ممكنةٍ، وقد توقفتْ عجلةُ الفتوحاتِ الإسلاميةِ عندَ إنجازاتِها . كَمَا ساهَمَتِ بشكلٍ كبيرٍ في نَشْرِ الإسلامِ في أنحاءِ مختلفةٍ من العالم، حتى وصلت راياتُها إلى أقصى الحدود في المشرق والمغرب.

بالإضافة إلى ذلك، استطاعت إدخال الدين الإسلامي إلى شعوبٍ وأممٍ مختلفةٍ، بما في ذلك الشعوب الوثنية ، وحققت على الصعيد الاستراتيجي إنجازاتٍ لم تحققها أي دولةٍ بعدها.

أسباب تشوية الدولة الأموية

رغم تحقيق إنجازات كبرى في التوسع الجغرافي ونشر الإسلام في أنحاء العالم، إلا أن تاريخها تعرض لحملات تشويه مكثفة تطال كافة أطرافها، بما في ذلك القادة والولاة والأمراء والخلفاء وحتى العلماء. وللقارئ الذي يطلع على تاريخ الأمويين في بعض المراجع القديمة والحديثة، يمكن أن ينتابه شعور بأن الدولة الأموية لم تحكم بشرع الله، وأنها دولة علمانية حكم فيها الخلفاء بأهوائهم وشهواتهم. بالرغم إن الفاصل الزمني بين العهد الراشدي والعهد الأموي ليس طويلا.

لا يمكن قبول هذا التشويه والتحريف الفج والذي يجب أن ترفضه النفوس السوية والعقول الواعية كونه غير طبيعي وغير مقبول. ومع ذلك، فقد وجد هذا التشويه والتزييف موطئ قدم في الثقافة الإسلامية ، وذلك بسبب عدة عوامل وأسباب:

  • ان الامويين لم يدخلوا الاسلام الا متأخرين عند فتح مكة.
  • دخول الامويون في صراع مع آل البيت منذ مقتل عثمان مما خلق شعورا عام بالكراهية للأمويين.
  • مما زاد الصورة ظلاما ما وقع فيها بعض قادة بني اميه من أخطاء مثلا حادثة كربلاء و مهاجمه مكة و المدينة.

وظلت هذه الاخبار حتي بدأ عصر التدوين , فدون المؤرخون التقليديون كل ما وصل الي سمعهم دون نقد او تحليل , ومن ثم، أصبحت كتبهم تحتوي على روايات متعارضة وانتماءات وعواطف شخصية تتداخل مع الحقيقة التاريخية. ومن المؤسف أن التدوين تم في عصر خصومهم العباسيين، الذين لعبت الخصومة دورًا بارزًا في تشويه تاريخ هذه الفترة.

ولذلك، يتوجب علينا استخلاص التاريخ الصحيح لعصر بني أمية وتصحيح الرؤية من خلال الاعتماد على مصادر موثوقة ومتعددة.

تاريخ الدولة الأموية: معاوية بن أبي سفيان وصعوده إلى الخلافة

عند بدء الحديث عن الدولة الأموية، يجب تعريف مؤسسها الذي هو “معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية” خال المؤمنين وكاتب الوحي. وُلِد في مكة قبل البعثة بخمس سنوات، وأسلم يوم فتح مكة، وأُختاره النبي صلى الله عليه وسلم كاتبًا للوحي. شارك معاوية في معركة اليمامة، وعندما بعث أبو بكر بالجيوش إلى الشام، سار معاوية مع أخيه يزيد، وقد حقق معاوية نجاحًا كبيرًا في فتح المدن الساحلية واكتسب ثقة عمر بن الخطاب. فعيَّنه وليًا للأردن و عين أخيه يزيد وليًا على بلاد الشام. وبعد وفاة يزيد في الطاعون، أضاف عمر إلى معاوية ما كان لأخيه. وعندما تولى عثمان الخلافة، عيَّن معاوية وليًا على كامل بلاد الشام، ثم استقل بها بعد مقتل عثمان. وعندما تمت بيعة علي بالخلافة، امتنع معاوية عن مبايعته واتهمه بإيواء قتلة عثمان. وبايعه أهل الشام على المطالبة بدم عثمان ومحاربة علي، واستمر الخلاف حتى قتل علي، ثم تم الصلح بين الحسن بن علي، الذي تولى الخلافة بعد مقتل والده، ومعاوية، حيث تنازل له عن الخلافة بهدف حقن دماء المسلمين. وسمي ذلك العام (41) هجريًا “عام الجماعة”، لاجتماع الأمة على خليفة واحد، باستثناء الخوارج الذين امتنعوا عن مبايعته.

معاوية بن أبي سفيان: داهية العرب

معاوية بن أبي سفيان كان ذو دهاءٍ وحنكةٍ في السياسة، واستطاع بموهبته كبج جماح المسلمين عموماً، والخوارج خصوصاً. كما بذل جهوداً كبيرة لبناء دولة إسلامية صلبة، وأسسها على عدة أركان، بما في ذلك تنظيم الجيش، وتحقيق الاستقرار في الداخل، والتوسع في الخارج، وتحقيق التوازن القبلي واخضاع المعارضة، والاحسان الي كبار الشخصيات الإسلامية من الصحابة وأبنائهم، وتوطيد الأمن. وقد كرس كل وقته وجهده من أجل مصالح المسلمين. وقد اضطرته الظروف السياسية إلى العمل على صعيدين، صعيد التحالف مع السكان الأصليين في بلاد الشام ولا سيما المسيحيين، وصعيد التحالف مع أقوى القبائل العربية، وهي القبائل اليمنية التي ساندته في الحكم. وثبت هذا التحالف بزواجه من ميسون الكلبية، وزواج ابنه يزيد بامرأة من هذه القبيلة. وقد شكل هذا الزواج حلفا سياسياً، لكن الدين كان لا يزال الصفة العامة للدولة.

حركة الخوارج في عهد معاوية بن أبي سفيان: التحديات والصراعات

ويبدو ان معاوية كان ابغض الى الخوارج من علي وقد اقلق امرهم الخليفة الأموي بفعل عدم تجاوبهم مع الحلول السلمية , منذ معارضتهم للتحكيم والحاحهم على القتال بعد معركة الصفين وانسلاخ عدد من الجيش وانحيازهم الى الخوارج وهم جماعة لحقوا بحروراء في الكوفة واعتزلوا فيها فعرفوا بالحرورية ومنذ ذلك اليوم نشأ فالإسلام حزب جديد كان له في تاريخه اثر بعيد في الناحيتين السياسية والدينية ومن الملاحظ انه عندما انتقلت الخلافة من الكوفة الي دمشق انتقل مركز الثقل للنشاط الحروري من الكوفة الي البصرة وتمزقت حركة الخوارج قبل نضوجها مما اتاح للسلطة الاموية فرصة القضاء عليهم وكانت معركة “النهروان” المعركة الاولي والاخيرة التي اجتمع فيها الخوارج تحت قيادة واحدة وتفرق شملهم بعد ذلك وتعتبر الحركة التي قادها المستورد بن علقمة (43هجريآ_ 663م) من اكبر حركاتهم ضد معاوية وقد اصطدم بهم الوالي الاموي علي الكوفة وهو المغيرة بن شعبة وقتل زعماءهم ولزم خوارج الكوفة الهدوء الي ان سنحت لهم فرصة للثورة علي الحكم الاموي بقيادة حيان بن ظبيان السلمي في عام (58هجريآ_678م) وانتهت هذه الثورة بمقتلهم جميعا في العام التالي بمعركة جرت في بانقيا .

ونهج خوارج البصرة نهج اخوانهم خوارج الكوفة وتفاقم خطرهم مرة اخري في العراق فخرجوا بقيادة سهم بن غالب والخطيم الباهلي فتصدي لهم الوالي الاموي ابن عامر واخضعهم ويبدو انه تساهل معهم فاضطر معاوية الي عزله وولي زياد ابن أبيه البصرة عام(45هجريآ_665م) فتعقبهم بشده حتي تمكن من اخضاعهم الا انهم نشطوا بعد وفاته في عام(53هجريآ_673م) فتصدي لهم ابنه عبيد الله عام (55هجريآ) فلاحقهم وسجن بعضهم وقتل البعض الاخر

الشيعة في عهد معاوية بن أبي سفيان

وقد واجه معاوية بالإضافة الي الخوارج خطر اخر تمثل في شيعة علي بن ابي طالب الذين لم يندمجوا في وحدة الدولة الاسلامية, وكان من العسير كبت هذه المعارضة دون استعمال الشدة لذلك عين معاوية زياد بن ابيه واليآ علي الكوفة بالإضافة الي البصرة بعد وفاة المغيرة في عام 50هجريا .ونتيجة لسياسة زياد الحازمة ضعفت مقاومة الشيعة ولم يرتفع صوت معارض سوي صوت حجر بن عدي الزعيم الكوفي وكان جزاؤه الاعدام.

الوضع السياسي في خارج العراق خلال حكم معاوية بن أبي سفيان.

ويبدو أن الأوضاع السياسية خارج العراق لم تشكل أي تحدي لمعاوية، إذ كان الولاة يحكمون دون معارضة في تلك الأماكن. أما في الحجاز، فكان تحت رقابته المباشرة، حيث كانت المدينة تحت سيطرة مروان ابن الحكم وسعيد بن العاص يتداولانها. وعلى الرغم من ذلك، حرص معاوية على تشجيع مختلف النشاطات غير السياسية في تلك المناطق، مما جعل مكة والمدينة أهم مراكز الحياة الاجتماعية في تلك الفترة.

معاوية بن أبي سفيان وتولية ابنه يزيد في الخلافة

تعد مسألة عهد معاوية بالخلافة لابنه يزيد من بين القضايا التي دفعت الكثيرين للوقوف ضده، حيث خرج بذلك عن النهج الذي اتبعه المسلمون في اختيار خليفتهم منذ خلافة أبي بكر. ولم يكن العرب يقرون بمبدأ الوراثة في الحكم في السابق، وكان هناك ثلاث فئات من المسلمين : الفئة المتذمرة من الحكم الاموي وتمثلت الفئة الثانية بالقوي المؤيدة للحكم الاموي في حين تمثلت الفئة الثالثة بالتيار الشيعي .

من المرجح أن معاوية كان يعتزم تولية ابنه يزيد الخلافة، ولكن زياد بن أبيه حاكم البصرة طلب منه التريث في هذا الأمر. وفي عام 49 هجرياً / 669 ميلادية توفي الحسن بن علي، مما شجع معاوية على اتخاذ البيعة لابنه يزيد. لكن كان عليه إقناع كبار الشخصيات في الحجاز وخاصة أبناء الصحابة، لذا ذهب معاوية شخصياً إلى المدينة والتقي بهم ، ومع ذلك، فشل في إقناعهم، لذا قرر تجاهلهم وعاد إلى دمشق.

وفي عام (56هجريآ_676م)  اعلن معاوية رسميا البيعة لابنه يزيد ، وجرت احتفالات التنصيب في دمشق وكان الحجاز وحده غائبا عن المشاركة ، وخشي معاوية من تطورات المعارضة فتوجه الي المدينة لإرغام المعارضين علي قبول بيعة يزيد ، وما كاد يصل الي المدينة حتي غادرها المعارضون الي مكة و بايع من بقي فيها يزيد ، و ذهب ورائهم و اجتمع بهم في المسجد حيث تكلم عبدالله بن الزبير عنهم ، و تحدث عن موقفهم الرافض ، و لكنهم فشلوا في التوصل إلى اتفاق عندئذ ادرك انه لابد من اللجوء الي التهديد بالعقاب بعدما فشلت وسائل الاقناع واستطاع بالحنكة والشدة حمل المعارضين علي الاعتراف بولاية ولى العهد يزيد باستثناء الحسين بن علي وعبدالله بن الزبير .

علي الجانب الاخر كان يهيئ يزيد لتحمل المسئولية فقد ارسله معاوية علي راس قوة عسكرية الي بلاد البيزنطيين لمساندة الجيش الإسلامي الذى كان يحاصر القسطنطينية آنذاك بقيادة سفيان بن عوف وقد هدف معاوية ان يظهر ابنه امام المسلمين بمظهر المجاهد .

معاوية بن أبي سفيان

سياسة خارجية مدروسة ونشر للإسلام في الشرق ومواجهة للتهديدات الغربية في عهد معاوية بن أبي سفيان

شهد عهد معاوية بن أبي سفيان، الخليفة الأموي، سياسة خارجية مدروسة تحكمها قواعد ثابتة، حيث أدرك مسؤوليته الكبيرة في تثبيت الفتوحات في المشرق والقضاء على الحركات التمردية. ورغم عدم وجود فتوحات واسعة النطاق، إلا أن حسن تقديره للأمور نجح في نشر الدين الإسلامي بين الشعب الفارسي، بفضل إسكانه لعشرات الآلاف من الأسر العربية في المناطق الفارسية، وتحقيق اختلاط العرب بالفرس ونشر التعاليم الإسلامية واللغة والثقافة العربية.

وعلى الجانب الغربي للدولة الإسلامية، أدرك معاوية أهمية مواجهة الدولة البيزنطية، التي كانت تمثل تهديدًا مستمرًا للدولة الإسلامية، خاصة بلاد الشام ومصر. وبفضل خبرته السياسية، استطاع تحديد أهداف البيزنطيين وقاد جهوده للتصدي لهم وإيقاف تقدمهم، وذلك بتنفيذ استراتيجية عسكرية مدروسة، استطاع حفظ استقرار الجناح الغربي للدولة الإسلامية، وصد أي تهديد قد يشكلها العدو البيزنطي على سلامة المنطقة.

فتوح الشرق الإسلامي في عهد معاوية بن أبي سفيان

عندما بدا أمر الخلافة يستقر لمعاوية، لم يكن هناك وقت للاستراحة، حيث استأنف حركة الفتوحات بقوة. خلال فترة حكمه، حيث تميزت بالنشاط الحربي الواسع، وكانت الجبهة البيزنطية وشمال إفريقيا هما الأكثر تأثراً.و لم يكن الشرق على نفس المستوى، حيث تم التركيز على إعادة إخضاع البلاد الثائرة في الشرق. حيث علي الرغم من وصول المسلمين إلى “كش” في أيام عثمان، إلا أن حكمهم كان مزعزعًا، ولكن عندما تولى معاوية الحكم، عاد التقدم شرقًا، حيث غزى عبد الله بن سوار العبدي ثغر السند القيقان وكان أميرًا عليه. كما وصل المهلب بن أبي صفرة في غزواته إلى لاهور، وأخضع قيس بن الهيثم باذغيس وهراة وبلخ.

في عهد زياد بن أبيه، واصل المسلمون تقدمهم، حيث وصلوا إلى كابل وفتحوها، وعبر ابنه عبيد الله نهر سيحون على رأس قوة عسكرية ووصل إلى بيكند، حيث استعانت ملكة تلك البلاد بالترك للتصدي لزحف المسلمين. ولكن، فشلت المحاولة وتم هزيمة التحالف، مما اضطر الملكة خاتون إلى الطلب من عبيد الله دفع الجزية.

ولكن، بعد ولاية سعيد بن عثمان بن عفان لإمارة خراسان، استغلت الملكة خاتون فرصة تغيير الحكام ونقضت الصلح، وتحالفت جموع من أهل السغد والترك والكش والنسف للتصدي للمسلمين. تقابل الفريقان في بخارى في معركة كبيرة، حيث حقق الجيش الإسلامي انتصارًا كبير حتي وصلوا الي سمرقند و ترمذ بعد سقوط بخاري .

فتوح الغرب الإسلامي في عهد معاوية بن أبي سفيان

في القرن الأول الهجري، شهدت العلاقات الإسلامية البيزنطية سلسلة من الأحداث المهمة التي أثرت في العالمين الإسلامي والبيزنطي، وجعلت الصراع العسكري بينهما سجالاً متأرجحاً بين النصر والهزيمة والسلم والحرب. ولكن معاوية الأموي تمكن من وضع سياسة عسكرية واضحة ضد الدولة البيزنطية، ونجح في تحويل العلاقات العسكرية بين المسلمين والبيزنطيين إلى اتجاه جديد في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. وعلى الرغم من ذلك، لم تتخلى الدولة البيزنطية نهائيًا عن منطقة الشام ومصر، لأنها لا تزال تعتبرها ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كدولة كبرى.

تمثل نظام معاوية الحربي الإسلامي نموذجاً فعالاً لنظام الدفاع الحربي المتقدم، وقد أدى هذا النظام إلى تحقيق نجاحات عديدة في الدفاع عن الحدود والتغلب على التهديدات الخارجية. كما أنه أسهم في إعادة الاستقرار إلى المناطق الحدودية، وتعزيز الأمن والاستقرار في الدولة الإسلامية. وتعد الحملات الدورية المشتركة التي يتم تنفيذها ضمن نظام الدفاع الحربي المذكور، والتي تعرف باسم “الشواتي والصوائف”، واحدة من أهم عناصر النظام الهجومي الدفاعي المشترك، حيث تساهم في السيطرة على المناطق الحدودية والحصون والمعاقل الجبلية المهمة، وتمنع العدو من تنفيذ غارات داخل الأراضي الإسلامية.

قام معاوية بوضع خطة لتعزيز الأسطول البحري بهدف الدفاع عن السواحل والجزر والحفاظ على العلاقات التجارية الخارجية، وبناءً على هذه الخطة تم تأسيس البحرية الإسلامية وتكليف ملاحين عرب بإدارتها. ونجح المسلمون في تأمين سيطرتهم على سواحل بلاد الشام وتنفيذ خطتهم للسيطرة على الجزر. وبقيادة معاوية، تم استيلاء المسلمين على جزيرة قبرص عام 28 هجريا، وهذه كانت بداية مرحلة النشاط البحري للمسلمين، والتي رافقتها حملات برية بهدف الوصول إلى القسطنطينية.

الحملة الاولي لحصار القسطنطينية وفشل المسلمين في الاستيلاء عليها في عهد معاوية بن أبي سفيان

في عام 49 هـ / 669 م، قاد فضالة بن عبيد الله الأنصاري حملة عسكرية برية بأمر من معاوية لحصار القسطنطينية ووصل إلى خلقدونية القريبة من العاصمة. وأمضى فضالة شتاء ذلك العام في أراضي الإمبراطورية، وقدَّم معاوية الإمدادات والمؤن له. وأرسل سفيان بن عوف إمدادات إضافية لتنفيذ الحصار على العاصمة، وأرسل معاوية ابنه على رأس قوة إضافية. لكن المسلمين لم يحرزوا انتصارات حاسمة وبعد فترة اضطرّوا لفك الحصار والعودة إلى الشام، وتوفي الصحابي أبو أيوب الأنصاري في هذه الغزوة ودُفِنَ عند أسوار القسطنطينية.

وعلى الرغم من فشل الحملة العسكرية في الوصول إلى هدفها، إلا أنها كانت ناجحة من الناحية السياسية حيث جعلت الأباطرة البيزنطيين يبتكرون وسائل أكثر نجاعة للدفاع عن عاصمتهم ضد هجمات المسلمين. وأدت هذه الحملة إلى تغييرات في النظم العسكرية والإدارية في الإمبراطورية بشكل عام، وفي إقليم آسيا الصغرى بشكل خاص، الذي كان يعتبر خط الدفاع الأول عن العاصمة.

بعد فشل الحملة الأولى لفتح القسطنطينية ، قرر معاوية استعمال استراتيجية متعددة الجوانب للسيطرة على المدينة. أدرك أهمية السيطرة على الجزر القريبة منها، لذلك فتح المسلمون جزيرتي قبرص وكوس، وفي عام ٥٢ هـ/ ٦٧٢ م، فتحوا جزيرة رودس وسيطروا على أزميروليكيا وقيليقيا. بذلك قام معاوية بإحكام الطوق البحري على العاصمة البيزنطية.

الحملة الثانية لحصار القسطنطينية وفرض جزية علي المسلمين في عهد معاوية بن أبي سفيان

في عام ٥٤ هـ/ ٦٧٤ م، بدأ الحصار الثاني للقسطنطينية، وشهد تخاذلًا في الحصار البري، حيث بقيت الطرق البرية وطريق البحر الأسود مفتوحة أمام البيزنطيين. استمر الحصار لمدة سبعة أعوام حتى عام ٦٠ هـ/ ٦٨٠ م، وخلال هذه الفترة، تخللت مناوشات بين الأسطولين الإسلامي والبيزنطي، وتراشقت القوات البرية الإسلامية المرابطة حول العاصمة، مع الجنود البيزنطيين المرابطين على أسوارها، بالقذائف والسهام.

رغم أن المسلمين لم يحققوا انتصارًا حاسمًا، إلا أن عدة عوامل جعلتهم يفكون الحصار عن القسطنطينية، منها: مناعة أسوار المدينة، ورداءة الطقس والتيارات المائية الشديدة الانحدار التي كانت تبعد السفن عن الأسوار، وعدم إحكام الحصار البري، واستعمال النار الإغريقية من قبل البيزنطيين، وعوامل داخلية تتعلق بكل من الدولتين الإسلامية والبيزنطية.

حيث يتضح أن معاوية قد توصل إلى اتفاق مع الدولة البيزنطية لإنهاء الحصار المفروض على عاصمتها، بعد فشل المحاولات لأسقاط المدينة. قرر معاوية الاستسلام للوضع الراهن، خاصة بعدما بدأ يشعر بقرب موته، حيث أدرك أن عودة الجيش المنتشر حول العاصمة البيزنطية إلى دمشق افضل للصراعات الداخلية المحتملة بعد وفاته.

و من جهة الدولة البيزنطية كانت تعاني من تأثير الحصار الطويل على عاصمتها وقواتها، وبالتالي فإنها كانت في حاجة إلى إنهاء هذا الحصار. ونتيجة للمفاوضات التي جرت بين الطرفين، توصلوا إلى اتفاق يتضمن دفع معاوية للبيزنطيين جزية سنوية تقدر بثلاثة آلاف قطعة ذهبية، بالإضافة إلى تسليم 50 أسيرًا و50 حصانًا. وبموجب هذا الاتفاق، استمرت الهدنة لمدة 30 عامًا.

أقرأ أيضا المهدي محمد بن تومرت وكيف أسس دولة الموحدين – مكتبة خلاصة كتاب (khkitab.com)

8 تعليقات

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *