إعادة تعريف البراجماتية: مفهوم جديد لتغيير الواقع مع أمثلة من الحياة اليومية
فكر في لحظة قررت فيها أن تخرج عن المعتاد لتجرب شيئًا جديدًا، ليس لمجرد تحقيق فائدة سريعة، ولكن لأنك شعرت أن هذا القرار سيغير من مسار حياتك بالكامل. هذا هو بالضبط ما يتحدث عنه روبرتو أونغر في كتابه يقظة الذات: براجماتية بلا قيود. يعيد أونغر تعريف “البراجماتية” بشكل يختلف عن الفهم التقليدي الذي يركز على المنفعة المباشرة. فهو يدعونا إلى التفكير في “الواقع” نفسه كشيء يمكن تغييره بشكل جذري من خلال أفعالنا و”التجارب” التي نخوضها.
على سبيل المثال، تخيل أنك تعيش في مدينة تعتمد على السيارات بشكل كامل للتنقل. كل يوم تتنقل بنفس الطريقة، تعتقد أن هذه هي الطريقة الأكثر “براجماتية” للوصول إلى عملك. لكن ماذا لو قررت فجأة أن تستخدم الدراجة بدلاً من السيارة؟ في البداية، قد يبدو القرار غير عملي، ولكنه قد يفتح أمامك أبوابًا لم تكن تفكر فيها: توفير المال، تحسين صحتك، وربما حتى الإسهام في “تغيير” طريقة تفكير المجتمع من حولك عن وسائل النقل.
هذا المثال يعكس ما يقصده أونغر من أن البراجماتية الحقيقية لا تتعلق فقط بما هو مفيد في اللحظة الراهنة، بل بما يمكن أن يُحدث “التغيير” في “الواقع” على المدى الطويل. البراجماتية هنا ليست فقط تحقيق منفعة فورية، بل هي القدرة على النظر إلى العالم بعيون جديدة، والبحث عن “التجربة” التي تفتح أفقًا أوسع. الكاتب يشير إلى أن هذا النوع من التفكير يمكن أن يعيد تشكيل “اللغة” التي نستخدمها لفهم العالم، ويجعلنا نُعيد النظر في الأمور التي كنا نعتبرها ثابتة أو غير قابلة للتغيير.
لنأخذ مثالًا آخر: فكر في الشركات الناشئة التي بدأت من فكرة بسيطة لكنها غيرت مجرى الصناعة بالكامل. شركات مثل “أوبر” أو “إير بي إن بي” بدأت بفكرة بسيطة تتحدى الطرق التقليدية في التنقل والسكن. بالنسبة لهم، “البراغماتية” لم تكن في تطبيق الحلول الموجودة بالفعل، بل في “إعادة” اختراع الطريقة التي نتعامل بها مع هذه الاحتياجات اليومية. هذه الشركات لم تبحث عن “المنفعة” السريعة فقط، بل قامت بتغيير الطريقة التي نتفاعل بها مع السوق، مما أعاد تشكيل “الواقع” الذي نعرفه.
أونغر في كتابه لا يتحدث عن نظريات مجردة، بل يقدم لك خارطة طريق لتصبح جزءًا من هذا “التغيير”. إذا تمكنت من رؤية أن “التجربة” ليست مجرد وسيلة لاختبار الأفكار، بل هي أداة لصنع “الواقع”، يمكنك أن تبدأ في تحويل حياتك بطرق لم تتوقعها. الفكرة ليست في التخلي عن “المنفعة” الفورية تمامًا، ولكن في توسيع نطاق تفكيرك لتشمل ما يمكن أن يحدث على المدى البعيد.
باستخدام هذه الرؤية، يصبح كل قرار صغير في حياتك جزءًا من عملية “بناء” أو “إعادة” تشكيل الواقع الذي تعيش فيه. سواء كان ذلك في اختيار طريقة جديدة للتواصل مع الآخرين أو اتخاذ قرار مالي يتحدى المعايير التقليدية. “البراغماتية” التي يقدمها أونغر هي أكثر من مجرد فلسفة؛ إنها دعوة لتحرير نفسك من القيود التي وضعها المجتمع و”اللغة” من حولك.
إذًا، في النهاية، ماذا يمنعنا من أن نكون صناعًا للواقع الذي نعيشه؟ القصص الواقعية، سواء كانت عن فرد يغير حياته بقرار بسيط أو شركة تعيد تشكيل السوق، تثبت أن “البراجماتية” في صورتها الجديدة التي يقدمها أونغر ليست مجرد فكرة، بل هي وسيلة للتحرر من القيود وفتح آفاق جديدة.