الفلاسفة الكبار والتأثيرات: كيف ساهمت أفكار بيرس وديوي وجيمس في تشكيل البراجماتية الحديثة مع أمثلة واقعية
في كتاب يقظة الذات: براجماتية بلا قيود، يسلط روبرتو أونغر الضوء على تأثير “بيرس”، “ديوي”، و”جيمس” في بناء فلسفة “البراجماتية” الحديثة التي يستخدمها لإعادة تفسير “التجربة” و”الواقع”. هؤلاء الفلاسفة لم يكتفوا بوضع أفكار فلسفية مجردة، بل قدموا رؤية عملية تُستخدم حتى اليوم في مجالات متعددة من الحياة اليومية، مما يجعل فهم تأثيراتهم أساسيًا لفهم براجماتية أونغر.
لنبدأ بـ”تشارلز ساندرز بيرس”، الذي كان يعتقد أن الأفكار ليست قيمًا ثابتة، بل يجب اختبارها من خلال نتائجها العملية. بيرس يعتبر “الأب الروحي” للبراجماتية لأنه قدم مفهومًا يعتمد على الفائدة العملية للأفكار، وهي فكرة تتماشى تمامًا مع طريقة أونغر في رؤية “التغيير” كجزء لا يتجزأ من “الواقع”. على سبيل المثال، لو فكرنا في كيفية تطور مفهوم “التعليم”، نرى أن المدارس والجامعات اليوم لم تعد تعتمد فقط على الحفظ التقليدي، بل تعتمد على التفكير النقدي والتجربة العملية، وهو نفس النهج الذي قدّمه بيرس في فلسفته.
أما “ويليام جيمس”، فقد أخذ فكرة بيرس وعمقها بشكل أكبر. كان جيمس يعتقد أن الحقيقة ليست ثابتة، بل هي ما يتغير وفقًا لتجاربنا. في الواقع، يمكنك رؤية هذا الفهم عندما تفكر في كيفية تغير نظرتنا إلى “العمل”. في الماضي، كانت فكرة النجاح مرتبطة فقط بالاستقرار المالي أو الحصول على وظيفة دائمة. ولكن اليوم، مع تغير “التجربة” وفهمنا المتجدد، أصبحت مفاهيم مثل الريادة والعمل الحر جزءًا لا يتجزأ من نظرتنا للنجاح. رواد الأعمال الذين يبدؤون شركات ناشئة مثل “أوبر” و”إير بي إن بي” هم تجسيد حقيقي لأفكار جيمس. إنهم لا يلتزمون بالفكر التقليدي حول العمل والاقتصاد، بل يعتمدون على التجربة الشخصية ويستخدمون النتائج العملية لإعادة تشكيل “الواقع” بطرق لم تكن ممكنة من قبل.
أحد القصص الواقعية التي تعكس تأثير “جون ديوي” هي في مجال التعليم. ديوي كان يؤمن أن التعليم يجب أن يكون تجربة حية، وليس مجرد تكرار للمعلومات. اليوم، نرى تأثير ديوي في المدارس التي تعتمد على “التعلم من خلال التجربة” وليس التعليم النظري فقط. على سبيل المثال، مدرسة “مونتيسوري” تعتمد بشكل كبير على فلسفة ديوي، حيث يتم تشجيع الأطفال على الاكتشاف الذاتي والتعلم من خلال التفاعل مع البيئة المحيطة بهم. هذه الفلسفة العملية في التعليم تُظهر كيف أن “البراجماتية” يمكن أن تصبح أداة لتغيير “العلاقات الاجتماعية” وحتى الاقتصادية في المستقبل.
في عالم الأعمال، نجد تأثيرات هؤلاء الفلاسفة في كيفية تفكير الشركات الناشئة اليوم. الشركات التقنية مثل “تسلا” تعتمد على فلسفة البراجماتية من خلال إعادة التفكير في كيفية استخدام “اللغة” المرتبطة بالطاقة والسيارات الكهربائية. عندما أسس “إيلون ماسك” شركة تسلا، لم يكن يهدف فقط إلى تصنيع سيارات، بل كان يرغب في تغيير فهمنا الكامل للطاقة والابتكار. هذا النهج البراجماتي، الذي يعتمد على التجربة والابتكار العملي، يُظهر كيف أن “الواقع” ليس ثابتًا، بل يمكن إعادة تشكيله من خلال أفكار جديدة وتجارب متجددة، تمامًا كما كان يعتقد بيرس وجيمس.
لنأخذ مثالًا آخر من حياتنا اليومية. فكر في فكرة “العمل عن بعد”، التي أصبحت أكثر شيوعًا بعد جائحة كورونا. قبل الجائحة، كان العديد من الشركات ترفض هذه الفكرة، معتبرة أن الحضور الفعلي إلى المكتب هو الوحيد القادر على تحقيق الإنتاجية. لكن التجربة التي فرضتها الظروف أظهرت أن “التجربة” تختلف، وأن العمل عن بعد ليس فقط ممكنًا بل يمكن أن يزيد من الإنتاجية. هذه الفكرة تتماشى مع فلسفة جيمس، التي تقول إن “الحقيقة” تتغير بتغير “التجربة”. العمل عن بعد أصبح جزءًا من “الواقع” الجديد، ويعيد تشكيل سوق العمل بالكامل.
أونغر يأخذ هذه الأفكار البراجماتية ويعيد بناءها لتكون أدوات فعلية يمكن استخدامها في حياتنا اليومية. من خلال الاعتماد على تجاربنا الفردية والجماعية، يمكننا أن نُعيد تشكيل “اللغة” التي نستخدمها و”الواقع” الذي نعيش فيه. الفلاسفة مثل بيرس، ديوي، وجيمس وضعوا الأساس لفكرة أن “التجربة” هي المفتاح للتغيير، وأونغر يستخدم هذا الأساس لفتح آفاق جديدة للتفاعل مع العالم.
القصص الواقعية التي تعكس هذه الأفكار تُظهر أن “البراجماتية” ليست مجرد نظرية فلسفية، بل هي قوة عملية تقود التغيير في “العلاقات الاجتماعية” و”التجربة” البشرية بشكل عام. إنها تدعونا إلى عدم التوقف عند النتائج الأولية، بل إلى الاستمرار في اختبار الأفكار وتطويرها.