إنجازات عبد الملك بن مروان في توحيد الدولة الإسلامية وتحقيق التقدم
وَلَكِنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ أسَفًا، فَقَدْ حَدَثَ تَمْرُدٌ لَا يُرَغَّبُ فِيهِ الاِسْتِقْرَارُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا الْوَحْدَةُ. إِنَّ تِلْكَ الْحَرَكَةَ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْخَوَارِجِ، وَقَدْ جَرَتْ مَعَارِكُ مُتَلاَحِمَةٌ مَعَ الْخَوَارِجِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ مَعَارِكُ تَصْفِيةٍ. وَكَانَ زَعِيمُ الْخَوَارِجِ هُوَ قَطْرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ، الَّذِي هَزَمَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللهِ. لَكِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ عَيَّنَ مَكَانَهُ بِالْمُلْهَبِ، الَّذِي كَانَ أَدْرَى بِأَهْلِ الْخَوَارِجِ.
ثُمَّ انْتَهَى الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَعْرَكَةِ يَوْمِ الْبُسْتَانِ سَنَةَ 77 هـ. وَظَهَرَتْ أَيْضًا اِنْقِلَابَاتٌ مِنْ أَهَلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، حَيْثُ اِسْتَخَفَّوْا بِالْأَوَامِرِ وَأَصْبَحَ الْمَوْقِفُ خَطِيرًا. وَعِنْدَمَا وَصَلَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، قَرَّرَ اِتِّبَاعَ سِيَاسَةِ الشِّدَّةِ وَالْحِزْمِ، وَأَمَرَ بِتَولِّي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَهُوَ الّذِي كَانَ قَائِدًا فِي حَرْبِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهَذَا الرَّجُلُ مَشْهُورٌ بِشِدَّتِهِ وَعُنْفِهِ، وَهُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ.
وَبَالْفَعْلِ، تَمَّ الْقَضَاءُ عَلَى الثَّوْرَاتِ، وَاتَّحَدَتِ الدَّوْلَةُ فِي وَحْدَةٍ نِهَائِيَّةٍ، وَتَوَسَّعَتْ حُدُودُهَا مِنْ نَهْرِ بَلْخٍ وَجِبَالِ سِجِستَانَ وَمَشَارِفِ الْهِنْدِ شَرْقًا، إِلَى وَسَطِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ غَرْبًا، وَمِنْ بَحْرِ قَزْوِينٍ وَالْبَحْرِ الْأَسْوَدِ شَمَالًا، إِلَى حُدُودِ النُّوبَةِ وَالسُّودَانِ جَنُوبًا. فَأَصْبَحَتْ هَذِهِ الدَّوْلَةُ دَوْلَةً وَاحِدَةً وَكَتْلَةً وَاحِدَةً فِي عَهْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.
إِنَّ ذَلِكَ كَانَ أَكْبَرَ نَجَاحٍ لَمْ يَسْتَطِعْ الْخَلِيفَةُ تَحْقِيقَهُ، لَكِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ نَجَحَ وَحَقَّقَ تِلْكَ الْمُعْجِزَةَ. وَلَمْ يَنْقُذْ فَقَطْ دَوْلَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ شُرُورِ الِانْقِسَامِ، بَلْ أَيْضًا استَمَرَّ فِي الْفَتَوَحَاتِ الَّتِي ضَمَّتْ بِلَادًا كَثِيرَةً مُهِمَّةً فِي عَهْدِهِ، وَتَحْرِيرُهَا مِنْ اِحْتِلَالِ الرُّومِ، وَقَامَ بِإِصْلاِحَاتٍ دَاخِلِيَّةٍ وَخَارِجِيَّةٍ، وَحَقَّقَ اِسْتِقْلَالًا اِقْتِصَادِيًّا وَسِيَاسِيًّا لِلدَّوْلَةِ، وَأَيْضًا أَصْدَرَ عُمَلَةً عَرَبِيَّةً قَوْمِيَّةً، وَجَعَلَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ هِيَ اللُّغَةَ الرَّسْمِيَّةَ لِلدَّوْلَةِ، وَأَضَافَ الطَّابِعَ النِّهَائِيَّ لِنِظَامِ الْبَرِيدِ، وَضَرَبَ الدِّنَانِيرَ وَكَتَبَ عَلَيْهَا الْقُرْآنَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَى الْكَعْبَةَ، وَتَمَّتْ فِي عَهْدهِ إِصْلاحَاتٌ زِرَاعِيَّةٌ وَتِجَارِيَّةٌ كَثِيرَةٌ، وَبَنَى عَبْدُ الْمَلِكِ مَسْجِدَ قُبَّةِ الصَّخْرَةِ، وَقَامَ بِنَهْضَةٍ أَدَبِيَّةٍ وَثَقَافِيَّةٍ عَظِيمَةٍ.
اترك تعليقاً