المخ: هبة الذاكرة
قد يتبادر إلى ذهنك أن الذاكرة البشرية تشبه ذاكرة الكمبيوتر، حيث كل ما قمت بتخزينه يمكنك استحضاره متى ما أردت. لكن هنا سنخيب ظنك قليلاً لأن مخ الإنسان لا يعمل كذلك. يقوم المخ البشري بفلترة المعلومات، حيث يتخلص من بعضها ويبقي الآخر. أو يقوم بترتيب المعلومات وفق أسباب لم تتضح حتى الآن.
اذا كيف تعمل الذاكرة البشرية؟
يقدم لك كتاب المخ الأبله بعض الأجوبة التي قد تساعدك على فهم مخك. ليتمكن المخ من حفظ البيانات، فهو يحتاج إلى نوعين من الذاكرة. ذاكرة قصيرة المدى والذاكرة طويلة المدى.
الذاكرة قصيرة المدى: وهي التي تدون بها المعلومات ليست الا. ومع قصر الوقت الذي تظل فيه المعلومات، فإن الذاكرة قصيرة المدى تتعامل مع المعالجة الواعية للمعلومات. بمعنى أن الأشياء التي تفكر بها أنت، تفكر بها لأنها موجودة في الذاكرة قصيرة المدى.
اما الذاكرة طويلة المدى : فهي التي يتم تخزين المعلومات فيها لترافقك مدى الحياة. تقوم الذاكرة طويلة المدى بتوفير معلومات غزيرة يتم تخزينها سابقا. لتتيح لذاكرة قصيرة مدى التفكير.
اذا انت تفكر في ذاكرتك قصيرة المدى معتمدا على المعلومات المخزنة في ذاكرتك طويلة المدى. ان الذاكرة قصيرة المدى لها سعة صغيرة جدا حيث يعتقد العلماء ان متوسط قدرتها هي اربع بنود فقط بمعنى انك اذا اعطيت مجموعة من الكلمات غالبا لن تتذكر منها الا اربع.
وعلى النقيض فان سعة الذاكرة طويلة المدى لم يتم الالمام بها حتى الان. غير ان الامر لا يسير دائما هكذا. يقوم المخ احيانا بالتخلص من المعلومات قبل معالجتها بشكل صحيح كأن تذهب للمطبخ لإعداد شطيرة لكن عندما تصل تتساءل ما الذي اتى به الى هنا؟
ان عملية التشفير والاحتفاظ بالذكريات تكون غالبا في منطقة الحصين. والتي تصل اليها كل المعلومات التي تجمعها حواسنا. عبر مشابك عصبية. لذلك فان الاشخاص الذين لديهم حصين تالف لا يستطيعون تشفير ذكرى جديدة. غير ان بعض الذكريات يتم استدعائها بسهولة لانها اكثر تميزا عن غيرها. التي بنيت معها ارتباط عاطفي واحاسيس.
اما الذكريات طويلة المدى التي لا يمكن استدعائها لكن يمكن استخدامها ويطلق عليها “الذكريات الاجرائي” . مثل قيادة السيارة او عمل شطيرة اعتدت على عملها منذ زمن طويل. لدى المخ قدرة على تذكر الوجوه اكثر من قدرته على تذكر الاسماء.وذلك لان المخ طور الكثير من الاليات للتعرف على الوجوه مثل لون العينين او شكل الشعر.
اما الاسماء فهي من المعلومات التي تكون في الذاكرة قصيرة المدى.لذلك ان اردت ان تحفظ اسم شخص ما ليس عليك سوى ان تقوم بتكراره مرات عديدة. ليتم نقله الى الذاكرة طويلة المدى. ويسهل استدعائه متى ما احتجت ذلك.
يمتلك المخ الكثير من الاساليب للحصول على اقصى استفادة من الذاكرة قصيرة المدى ويركز المخ. على اول واخر شيء يسمعه. عندما يتعرض لكثير من المعلومات المفصلة بما يعرف “بتأثير الحداثة”. بصفة عامة ان الاوجه تظل في الذاكرة اكثر من الاسماء لانها حسية.
اما الاسماء فهي معلومات تحتاج لبعض العمليات المعقدة لتذكرها. لذلك يميل المخ لتذكر الوجوه اسرع من تذكر الاسماء.
الذاكرة والانحياز الانوي
ان المخ يتعامل مع الذكريات بشكل مرن للغاية. لتتناسب مع احتياجاتنا التي يراها المخ. بغض النظر عن مدى صحتها يسمى ذلك بالانحياز للذاكرة وغالبا ما يكون مدفوع بالانا و الغرور. يقوم المخ بتحوير الذكريات لجعلك تشعر بالرضا عن نفسك. ونفي اي سلبية من شأنها تعكير مزاجك.
يميل المخ لجعلك تتذكر انك كنت المؤثر على القرار النهائي للمناقشة ما. غير ان الانحياز الانوي لايأتي بمفرده بل يأتي مع انحيازات اخرى تدعمه. مثل انحياز دعم القرار. عندما تتخذ خيار من بين عدة خيارات مطروحة فان المخ يدعم خيارك مستخدما انحياز دعم القرار متغافلا عن مدى صحته او خطأه.
ايضا يأتي مع انحيازي لانا انحياز اثر التلاشي. حيث ان المخ يدفعك للتخلص من الذكريات العاطفية السلبية بشكل اسرع من الاحداث الايجابية. غير ان هناك انحيازات اخرى تظهر على بعض البشر مثل انحياز الاستدامة والذي يحتفظ فيه المخ بذكرى سلبية ويقوم بستعادتها الى ذاكرتك بدون اي مقدمات. وقد يكون مر عليها عشرون عاما
لكن ماذا لو اضطرب نظام الذاكرة لديك؟
ان الذاكرة تتعرض لبعض الاضطرابات والتي تؤثر على عملها. منها الذكريات الزائفة يتم تكوين الذكريات في المخ بجمع المعلومات من الحواس وتوجيهها الى المخ ليقوم بتشفيرها في الذاكرة طويلة المدى. غير انه يمكن لاشخاص ان يكون لديهم القدرة على زرع ذكريات زائفة في دماغك.
حيث يتبناها المخ على انها قد حدثت بينما هي لم تحدث قط. او بعض الاضطرابات التي تصيب المخ بشكل عضوي مثل مرض الزهايمر او العته والخرف والذي يسببه تفشي موت الخلايا في جميع أنحاء الدماغ
إن ما تنقله لك الدراما عن ذلك الشخص الذي يتلقى ضربه على الدماغ ثم يسقط فاقدا للوعي ليستيقظ وقد فقد ذاكرته يتنافى مع ما وجده العلم الحديث.
حيث ان الذكريات تنتشر في جميع انحاء المخ وليست في منطقة واحدة. ان فقدان الذكريات ليس له سبب مادي معروف حتى الان. انما يعتقد انه يرجع لأسباب نفسية
ومع نهاية فصل الذاكرة يذكر لك الكتاب كيف ان نظام عمل المخ البشري المعقد يصيب حتى اكثر الحواسيب تطورا بالحرج بقدرته الكبيرة على التكيف.
ومع إن المخ لديه قدرة كبيرة علي التكيف فان عقلك البدائي لا يزال محتفظ ببرمجته على التفكير في اي تهديد محتمل لاتخاذ الاجراءات قبل وقوع الكارثة ما يجعله في حالة تأهب كاملة
اترك تعليقاً