الخوف ليس ما تخشاه
يستخدم المخ وسائل مختلفة في محاولته لابقائك على قيد الحياة. ومن ضمن تلك الوسائل الكر والفر. حيث ان المخ يؤمن بمبدأ (السلامة افضل من الندم) مما يدفعه لجعلك تشعر دائما بالخوف في مواقف لا تستدعي ذلك حقا.يعمل المخ دائما على تحليل المعلومات التي تتوفر من البيئة المحيطة مع المواقف التي مررت بها في اوقات اخرى ليقرر ان كان هذا يدعو الى القلق او لا.
واذا فشل في الحصول على معلومات مخزنة في الذاكرة. عندها يستخدم اسلوب الكر و الفر . يتم تحليل المعلومات في القشرة المخية غير انها ليست وحدها. فالجزء المسئول عن العواطف يشارك ايضا في ذلك. تقوم اللوزة باطلاق الاشارة الحمراء فور حدوث ما يدعو الى القلق.
مما يسبب رد فعل سريع كما يحدث عندما ينفجر بالون فجأة فينشأ الرد السريع الغير مكتمل المعالجة في الدماغ. ان استجابة الكر والفر كانت العامل الاساسي لبقاء البشر على قيد الحياة طوال هذا الوقت. حيث يقوم المخ بإطلاقها مع اي حدث طارئ قد يهدد الحياة معتمد على مبدأ السلامة افضل من الندم. وقد ساعد هذا الانسان البدائي للبقاء على قيد الحياة متحديا اخطار البيئة المحيطة.
لكن بالنسبة للانسان المعاصر فالامر مزعج قليلا. حيث ان اجابة الكر والفر تتطلب الكثير من العمليات البدنية المجهدة والتي لا تزول سريعا والتي تسبب التوتر الذي يصاحب حالة التأهب التي يكون فيها عند اطلاق الاستجابة السريعة
ما يجعل الأمر يستهلك طاقة كبيرة ووقتًا اكبر ليعود الجسم الي وضعه الطبيعي.
يربط المخ الاحداث التي تسبب ضرر جسديًا او معنويًا دائما على انها يجب تجنبها في المرات المقبلة ما يجعلك دائما قلقلًا او خائفًا بشأن أمر ما. ان دماغك يتعامل مع اي شيء قد تكون له نتائج سلبية عليك على انه شيء مثير للقلق.
قد يتحول القلق المفرط الى مرحلة اعمق عندما يبدأ الانسان بالايمان بالخرافات ونظريات المؤامرة ويتحول الامر الى جنون الشك. يحاول مخك دائما ان يبقيك في منطقة الشك. في محاولة منه لابقائك مترقبا لاي طارئ قد يحدث.
اذا كيف ينشأ الايمان بالاوهام؟
إن المخ، ومع استقباله كثيرًا من المعلومات والتي يقوم بتفنيدها في جزء من الثانية، ما يجعل المخ يستخدم بعض الاختصارات مثل إطلاق إنذار كاذب على أي شيء يعتقد أنه مثير للقلق.
ومع استجابة ‘الكر والفر’ ونزعتنا لتوقع أسوء السيناريوهات، يكون الذهن ممتلئًا بالكثير من التفاصيل والتي تتطلب الكثير من الجهد في محاولة فهمها، فيبدأ المخ في اختلاق أنماط ليس لها وجود. وعلى ذلك، فإن كثيرًا من الخرافات مبنية على جلب الحظ الجيد أو دفع النحس وغيرها، ما يعني أن العقل يستخدمها كنوع من دروع الأمان من الخوف الدائم الذي يصيبه. لا يقف الأمر هنا فحسب، إن هناك اعتقادًا بأن الدماغ غير قادر على التعامل مع العشوائية بشكل جيد.
ولأنه يعاني من القلق الدائم، فإن ثمة شيء سيء سيحدث. لهذا، يبقيك دائمًا في وضع الترقب والقلق. يبدو أن حب المخ للأنماط، وعدم قدرته للتعاطي مع العشوائية، يدفع الكثير من الأشخاص إلى استنتاجات متطرفة مثل المؤامرة أو الإيمان بالخرافة.وليت الأمر يتوقف عند الخرافات والإيمان بها فقط. بل إن بعض الاضطرابات مثل الرهاب والقلق الاجتماعي، قد تصيبك أيضًا بالنظر إلى أنها أصلاً نابعة من الخوف والقلق.
إحاسيس مثل الخوف والحزن والحرج والخجل تترك أثرًا سلبيًا شديد الوطأة على النفس. إن مجرد التفكير أن تصيبك أي من هذه الإحاسيس كافٍ لتجنب القيام بأي عمل اجتماعي قد يسبب لك إحراجًا. إن القلق الاجتماعي هو الخوف من القيام بأي عمل قد يبدو لدى الآخرين أمرًا عاديًا، مثل الحصول على قصة شعر جديدة، أو الحديث في الهاتف.
إن منشأ القلق يأتي من توهم المخ لكل السيناريوهات السيئة، مع الاحتياج الدائم على الشعور بالاستحسان أمام الآخرين. وقد يتطور الأمر ليصل إلى ما هو أسوأ من ذلك. حيث يصل إلى الرهاب، وهو الخوف غير العقلاني من شيء ما تعلم أنه لن يصيبك بأي أذى، كالخوف من الحشرات أو الأماكن الضيقة مثلا. المثير للدهشة أن المصابين به يعلمون جيدا أن خوفهم ليس منطقي، غير أنهم ليس لديهم قدرة على التحكم به.
أحد الأسباب التي تسبب الرهاب هي التعليم الترابطي. بمعنى الربط بين استجابة مثل استجابة الخوف مع مثير معين مثل الحشرات. يحدث ذلك أحيانًا عندما تتناول طعامًا ما قد اعتدت تناوله دائما غير أنه كان ملوث هذه المرة فتقضي وقتًا في المشفى. يقوم مخك بربط ذلك الطعام مع المرض ما يجعل محاولة تناوله مرة أخرى أمر ليس بسهل.
ومن الأسباب أيضا أن المخ يستخدم التحذير من شيء ما، فيقوم مخك باستنباط كل الأشياء السيئة عنه التي قد تصيبك عند مواجهته. يقوم مخك بتنشيط كل السيناريوهات المحتملة وينشط استجابة الكر والفر واللوزة الدماغية والتي هي مسؤولة عن تشفير الذكريات. فتقوم بربط الخوف مع المثير. لذلك، قد يتحول الهدوء من شيء إلى الخوف منه، وقد يؤول في النهاية إلى الرهاب.ليس هذا فقط، فمن الأسباب أيضا أن الإنسان يتعلم الخوف من البيئة تحديدًا في عمر الطفولة والتي لا يكون قد اكتمل فيها الوعي بشكل كبير.
لهذا، إن كنت أنت مصابا برهاب الخوف من الصراصير مثلا، فإن ابنك غالبا سيصاب بنفس الرهاب. لأنه سوف يلتقط هذا منك، وهذا بالنسبة للرهاب المبسط.غير أن هناك نوعاً آخر من الرهاب المعقد، الأغورافوبيا. واحد من أنواعها هو الخوف من الأماكن المفتوحة. غير أن السبب الحقيقي ليس الخوف من الأماكن المفتوحة بل الخوف من المواقف التي لا يمكن فيها الحصول على المساعدة. لهذا يصل الأمر بمن يصاب به إلى عدم مغادرة المنزل.
بشكل وثيق، ترتبط الأغورافوبيا بالهلع، والذي يجعلك تشعر بالخوف والضغط والتوتر وعدم القدرة على التنفس وغيرها من الأعراض التي قد تختلف من شخص لآخر. غير ان السبب الاصابة باضطراب الهلع غير معروف.
لكن يعتقد إن “التجارب السابقة” قد تكون سببًا للإصابة أو “اضطراب جيني” ما غير أنه هناك “أسباب أخرى” يعتقد أنها قد تكون سببًا في “اضطراب الهلع”. إذاً لماذا يميل الناس إلى الشعور بالخوف؟ بل ويبحثون عنه ويحبون تجربته. كما يحدث عندما تستمتع بمشاهدة فيلم رعبأو قراءة قصة مرعبة.
إن “الرغبة” و “الخوف” مرتبطان بنفس المنطقة في المخ وهي “منطقة المسار الوسطي الطرفي”.
وهي المنطقة المسئولة عن “إحساس المخ بالمكافآت”. يتكون المسار من من السقيفية البطنية والنواة المكثفة وهما عبارة عن مجموعات كثيرة من الدوائر والتوصيلات العصبية العميقة داخل المخ والتي ترتبط مع أجزاء أكثر تعقيدًا في المخ وتشمل منطقة الحصين والفص الجبهي.
مع الأكثر بدائية مثل “جذع المخ” والذي له نفوذ كبير على المخ. تشعر المنطقة السقيفية البطنية “المثيرات” ثم تحدد إن كانت إيجابية أو سلبية ثم ترسل إشارة إلى النواة. المكثفة بقرارها والذي تقدم الاستجابة المناسبة إذاً إن المكافأة هي “الشعور الإيجابي” الذي تشعر به عندما يرضى المخ عن شيء ما قمت به مثل أن تتناول طعامًا جيدًا أو أن تمارس الجنس. إن الشعور بالخوف واستجابة “الكر والفر” وفورة “الأدرينالين” و “التأهب” الذي يحدث عند مشاهدة والاستماع إلى شيء مرعب ولكن وفور اختفائه يدرك المخ أن الخطر قد زال. عندها يقوم المخ بتسليط الضوء على “الخطر” الذي توقف.
ويقوم عندها المخ بإطلاق استجابة مكافأة كبيرة لتحفيزك لفعل أي ما كان ما فعلته لتوقف الخطر بذات الطريقة في كل مرة.إن السعي وراء المتعة والأحداث الشيقة لابد أن يقترن مع حد معين من السيطرة على الأحداث.حيث إن المخ لا يستمتع بالخطر إن كان سيتسبب في فقدك أحد أعضائك.
لماذا إذاً يتأثر دماغنا بالنقد أكثر من المديح؟
على ذلك يعود إلى أن المخ تكون “الأمور السيئة” بالنسبة له أهم من الأمور الإيجابية. إن “النقد اللاذع” يفعل “هرمون الكورتيزول” والذي يستخدمه المخ حال الاستجابة للأحداث المرهقة. يتم إفراز هرمون الكورتيزول بشكل رئيسي في “المحور الوطائي- النخامي- الكظري”.
وهو مجموعة متشابكة من الوصلات العصبية. ويقدر العلماء أنها مسئولة عن إفراز الهرمونات في الجسم.يقوم المخ بإطلاق استجابة “الإجهاد” عند حدوث شيء ما يضر بتحقيق هدف تسعى إليه.
وبذلك لا تكون عرضة للاستجابة للاجهاد عند حدوث كل مثير مجهد.
إن المخ يحتفظ بهدف “إثارة إعجاب الآخرين” لذلك في حال تعرضت للاهانة أو التوبيخ تحديدًا إن كان ذلك قد حدث على الملأ ما يهدد الهدف الذي تسعى للوصول إليه مما يؤدي الى إفراز هرمون الكورتيزول والذي يؤثر على المخ بشكل مباشر فيجعل رد الفعل على الاهانة رد فعل جسدي حقيقي.
إن ذلك يعود إلى حقيقة أن المخ يميل دائماً للمبالغة في توقع الأسوأ. في حال المدح يقوم المخ بإطلاق هرمون “الأوكسيتوسين” . والذي يدفعك للشعور بالسعادة غير أن من خصائص هذا الهرمون أنه يختفي سريعاً من تيار الدم.
على عكس هرمون الكورتيزول والذي يطلقه الجسم في حالة الشعور بالتهديد أو بالاجهاد.والذي يظل حتى ما يصل الى ساعتين مما يجعل النقد أكثر تأثيراً علينا من المديح.
وربما من الأسباب الأخرى أن المديح بين الناس من الأمور المعتادة والتي تحث عليها العراف والذوقيات الاجتماعية
ما يجعل النقد فعل شاذ خارج عن المألوف. فيترك التأثير الأكبر عليك إذاً هو يترك التأثير الأكبر عليه.
إن كل الكائنات تستطيع القيام بالوظائف الأساسية التي يقوم بها المخ البشري ما يميز المخ البشري أنه يستطيع إنشاء فلسفته الخاصة أو تعلم نفسه كيفية العمل في الصناعات المختلفة. أو ما وصلت له الحضارة البشرية من تطور.
اترك تعليقاً