المتعلم الكبير وتحوّل عملية التعليم بين الكبار والصغار
في إحدى الورش التدريبية داخل شركة تقنية ناشئة، جلس موظف خمسيني بجانب خريج جديد بالكاد بدأ رحلته المهنية. كلاهما حضر جلسة عنوانها “القيادة الفعالة”، لكن ردة فعلهما للمحتوى كانت مختلفة كليًا. الشاب كان يسأل كثيرًا عن “النظريات”،
بينما الرجل الأكبر ظلّ يربط كل معلومة بموقف مرّ به في العمل، يقاطع المُدرّب بين حين وآخر بقوله: “هذا حصل معي من ثلاث سنوات، وكان أسوأ مما تتخيل!” هذا المشهد البسيط يُلخص الفكرة الجوهرية التي يعرضها كتاب المتعلم الكبير، الأثر الكلاسيكي المتميز في تعليم الكبار وتطوير الموارد البشرية (The Adult Learner: The Definitive Classic in Adult Education and Human Resource Development)، وهي أن الكبار لا يتعلمون بنفس الطريقة التي نُعلّم بها الطلاب في المدارس، ببساطة لأنهم لا يعيشون نفس السياق ولا يمتلكون نفس الخلفية.
الكبار يدخلون أي برنامج تعليمي وهم بالفعل محمّلون بتجارب، مواقف، نجاحات، وإخفاقات. في هذه المرحلة من السن، يصبح التعليم الحقيقي ليس مجرد نقل معلومة، بل عملية تبادل حيوي تُبنى على ما يعرفه المتعلم مسبقًا. الطفل يقبل التوجيه لأنه ما زال “يبني” صورته عن العالم، أما الكبير، فهو يعيد ترتيب خبراته، يصحح مساراته، ويبحث عن شيء يخدمه في بيئة عمله، في حياته اليومية، في أسرته، حتى في تعامله مع التغيّرات السريعة من حوله.
وهنا تظهر أهمية أن تكون العملية التعليمية للكبار مختلفة تمامًا عن النموذج التقليدي. لا يصلح معهم الشرح الخطي ولا التلقين. الكبار يحتاجون إلى محتوى عملي، يناقش تحديات واقعية، ويعتمد على تعليم مرتبط بسياق حياتهم. لذلك، يعتمد التصميم الفعّال لأي برنامج تعليمي للكبار على خطوات واضحة:
ما هي خطوات تصميم اي برنامج تعليمي للكبار ؟
- البدء من التحدي لا من النظرية: الكبار لا يتجاوبون مع الشرح المجرد، لكن إذا بدأت الجلسة بسؤال مثل: “ما آخر موقف شعرت فيه أنك فشلت في التواصل؟” فستجد الباب قد فُتح.
- الاعتراف بالخبرة: يجب أن يُعامل المتعلم الكبير باحترام لما يعرفه، لا بافتراض أنه يحتاج إلى البدء من الصفر.
- إشراك المتعلمين في صياغة المحتوى: بدلاً من اعتماد منهج جاهز، يمكن بناء الأنشطة التعليمية وفقًا للمواقف التي يطرحها المشاركون.
- تسهيل الحوار لا التلقين: المعلم في هذا السياق لا يكون “مصدر معرفة” فقط، بل ميسّرًا يُنشّط النقاش ويوجّه العملية التعليمية نحو النتائج الفعلية.
العديد من المؤسسات فشلت في الوصول إلى نتائج ملموسة في التدريب فقط لأنها قدّمت محتوىً ممتازًا “على الورق”، لكنه لم يُصمم ليخاطب عقل الكبار، ولم يأخذ في الاعتبار ما لديهم من احتياجات داخلية أو ضغوط خارجية.
ومع التوجه العالمي نحو محو الأمية الرقمية وتطوير الموارد البشرية بشكل مستمر، بات من الضروري أن نعيد تعريف برامج التعليم للكبار. ليس فقط لإدماجهم في سوق العمل، بل لتجديد طاقاتهم، وتوسيع أفقهم، وتحويلهم إلى عناصر نشطة تساهم في صناعة المعرفة.
الفرق بين تعليم الصغار وتعليم الكبار لا يُختزل في السن أو الأسلوب، بل في الفلسفة. لأن ما يبحث عنه الكبير ليس فقط أن “يعرف”، بل أن “يفهم لماذا”، وأن يرى النتيجة في واقعه، لا على الورق.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.