التعلم المرتبط بالمشكلة في تعليم الكبار: الحل أولاً، ثم النظرية إن احتجناها
في أحد الاجتماعات الميدانية، وقف موظف صيانة في منشأة صناعية يسأل المدرب: “ممكن تورينا خطوة بخطوة إزاي نتصرف لو حصل تسرب مفاجئ؟ مش مهم التفاصيل الفنية دلوقتي، المهم نعرف نتحرك.” هذه الجملة تختصر جوهر مبدأ أساسي في تعليم الكبار: لا تبدأ بالمحتوى… ابدأ بالمشكلة.
يُبرز كتاب المتعلم الكبير، الأثر الكلاسيكي المتميز في تعليم الكبار وتطوير الموارد البشرية فكرة جوهرية في بناء العملية التعليمية وهي أن المتعلم البالغ لا يبحث عن معلومات ليضعها في ملف، بل عن حلّ لموقف يعيشه فعلًا. إذا لم يكن هناك سياق واضح، فإن المحتوى، مهما كان غنيًا، سيتحول إلى عبء نظري لا يتفاعل معه أحد.
المتعلم الكبير يدخل إلى أي برنامج تعليمي وهو محمّل بقائمة من التحديات اليومية، سواء كانت مهنية أو شخصية. وكي يكون التعلم فعالًا، لا بد أن يُقدَّم من خلال سيناريوهات واقعية تُشبه حياته، وتُخاطب حاجاته. البرامج التي تطرح المعلومات بشكل نظري – كأنها فصل من كتاب جامعي – تفقد الكبار سريعًا، لأنهم لا يملكون الوقت ولا المزاج للاستماع إلى معلومات لا يعرفون أين ومتى سيستخدمونها.
ما هي مبادئ التعلم المرتبط بالمشكلة في تعليم الكبار ؟
هنا بعض المبادئ العملية لتطبيق هذا النوع من التعلم، كما يستعرضه الكتاب:
- ابدأ بموقف حي: لا تقدّم الفصل الأول من المنهج، بل قدّم موقفًا واقعيًا يحدث غالبًا في بيئة العمل أو الحياة. مثلًا: “ماذا تفعل إذا أخطأ عميل في استخدام المنتج ولامك أنت؟”
- اجعل المتعلم يكتشف الحاجة بنفسه: لا تخبره أن عليه تعلّم مهارة معينة، بل دعه يواجه الموقف، ويشعر بالارتباك، ثم قُد له المهارة كأداة لحل المشكلة.
- اربط كل فكرة بنهاية واضحة: لا تعرض النظرية ثم تتركها معلقة. اسأل دائمًا: “كيف يمكن استخدام هذه النقطة في حالة مثل كذا؟”
- استخدم الخبرات السابقة كجزء من الحل: الكبار لديهم تجارب غنية. قبل أن تشرح الطريقة الصحيحة، اسأل: “إزاي كنتوا بتتعاملوا مع ده قبل كده؟” ثم اربط بين ما يعرفونه وما يجب أن يعرفوه.
- غيّر من طبيعة التقييم: بدلاً من سؤال تقليدي مثل “عرّف إدارة الوقت”، قدّم سيناريو: “رئيسك في العمل فجأة طلب منك تسليم 3 مهام خلال 4 ساعات… كيف ستتصرف؟”
كلما اقتربت العملية التعليمية للكبار من الواقع، زاد تأثيرها. المحتوى النظري يمكن أن يأتي لاحقًا، كدعم أو كشرح تفصيلي، لكن المدخل الحقيقي للبالغ هو التجربة ثم الفهم. لذلك، لا عجب أن المؤسسات الناجحة في تطوير الموارد البشرية بدأت تتحول من النماذج القائمة على الشرح، إلى ورش قائمة على “الموقف والحل”.
في زمن تتسارع فيه التغيّرات، وتزداد الضغوط المهنية والاجتماعية، لم يعد الوقت يحتمل محتوى تعليمي مكرر أو بعيد عن الواقع. الكبار لا يبحثون عن معلومات… هم بحاجة إلى أدوات. وهنا تمامًا يظهر الفرق بين تعليم الكبار وبين النماذج التقليدية التي ما زالت تُفصّل المعرفة أولًا، وتنسى أن المطلوب أحيانًا هو إنقاذ الموقف، لا إلقاء محاضرة.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.