مبادئ تعليم الكبار كما تُفهم من المتعلم الكبير: من التلقين إلى التمكين
في إحدى دورات إعداد القيادات بإحدى الشركات، بدأ المدرب بعرض شرائح مملة مليئة بالتعريفات. دقائق معدودة، وكانت الأنظار تهيم بعيدًا. بعدها توقف وسأل: “مين فيكم خاض موقف قيادي اضطر فيه ياخد قرار سريع تحت ضغط؟” وهنا تغيّر كل شيء. الأيدي بدأت ترتفع، والنقاش اشتعل. هذه اللحظة تحديدًا تلخص أحد أهم مبادئ تعليم الكبار كما عرضها مالكوم نوولز في كتابه المتعلم الكبير، الأثر الكلاسيكي المتميز في تعليم الكبار وتطوير الموارد البشرية.
التعليم هنا لا يدور حول تقديم “المادة”، بل حول إشعال الرغبة في الفهم، وربط المعرفة بالحياة. واحدة من أقوى النقاط التي يُبرزها الكتاب هي أن المتعلمين الكبار لا ينجذبون إلى المحتوى لمجرد وجوده، بل لأنهم يشعرون أن هناك حاجة حقيقية له. وهذا هو أول مبدأ: الحاجة إلى معرفة السبب. الكبير لن يسأل “ماذا سنتعلم؟” بل يسأل “لماذا؟” – وهذه ليست رفاهية، بل جزء جوهري من العملية التعليمية.
المبدأ الثاني يتمثل في الاعتماد على الذات. من الخطأ التعامل مع المتعلم البالغ كأنه صفحة بيضاء أو طالب في بداية المشوار. الكبار اعتادوا اتخاذ قرارات، سواء في العمل أو الحياة، ويحتاجون إلى برنامج تعليمي يُشركهم لا يُسيطر عليهم. لذلك، التصميم الجيد لأي محتوى للكبار لا يبدأ من الترتيب المنطقي للمعلومات، بل من إشراك المتعلم نفسه في اختيار المسار الذي يناسبه.
أما ثالث المبادئ، فهو الاستفادة من الخبرات السابقة. لا يمكن تجاهل أن المتعلم الكبير يأتي إلى الفصل (سواء افتراضي أو واقعي) وهو محمّل برصيد واسع من التجارب. هذه الخبرات قد تكون مصدر قوة، وقد تعيق التعلم أحيانًا إن لم نعرف كيف ندمجها ضمن العملية التعليمية. بدلاً من شرح مفاهيم القيادة من الصفر، ابدأ من تجارب المشاركين، ثم اربطها بالنماذج العلمية.
رابعًا، هناك مبدأ الجاهزية للتعلّم. الكبير لا يتعلم لأن هناك منهجًا، بل لأنه في نقطة زمنية حساسة تتطلب منه اكتساب مهارة معينة. شخص يستعد للترقية، أو أم تحاول العودة لسوق العمل، أو موظف يواجه تحديات جديدة في أدوات التكنولوجيا الحديثة. المحتوى المناسب هو الذي يُقدَّم في التوقيت المناسب، وفقًا لاحتياجات حقيقية.
نصل إلى المبدأ الخامس: توجه التعلم نحو التطبيق العملي. الكبار لا يبحثون عن الحفظ، بل عن الحل. لذلك لا تسألهم “هل فهمتم؟”، بل امنحهم سيناريو واقعي واطلب منهم التعامل معه. تعليم الكبار لا يُقاس بعدد الصفحات المغلقة، بل بكم المواقف التي تم التعامل معها بطريقة أفضل.
وأخيرًا، المبدأ السادس هو الدافعية الداخلية. وهنا يكون الفرق واضحًا جدًا بين الطلاب التقليديين والكبار. الأول ينتظر مكافأة، الثاني يتحرك بدافع ذاتي: تحسين الذات، مواجهة تحدٍّ، أو حتى استعادة الثقة. دور المعلم هنا ليس التحفيز الخارجي، بل خلق بيئة تستدعي هذا الدافع من داخله.
ومن خلال هذه المبادئ الستة، يتحول التعليم للكبار إلى تجربة شخصية وعملية، وليس مجرد برنامج تعليمي جامد. ومع اتساع الحاجة لـ محو الأمية المهنية والرقمية، وتزايد الضغط على تطوير الموارد البشرية، يصبح هذا النموذج ليس مجرد خيار، بل ضرورة حقيقية لأي نظام تعليمي يسعى للفعالية.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.