الفصل العاشر: من ستانفورد إلى أبو غريب — حين يتكرّر المشهد وتختلف الأسماء فقط
ما حدث داخل جدران قبو جامعة ستانفورد لم يكن مجرد تجربة نفسية.
بل كان نموذجًا مصغّرًا لحقيقة مُرّة: في الظروف الخاطئة، وتحت السلطة الخاطئة، يمكن أن يتحوّل الإنسان من ضحية إلى جلّاد، دون أن يشعر أنه خرج عن إنسانيته.
في هذا الفصل من كتاب تأثير الشيطان: كيف يتحوّل الأخيار إلى أشرار، يرسم فيليب زيمباردو خطًا واضحًا يصل بين سلوك المشاركين في التجربة… وسلوك الجنود الأمريكيين في سجن أبو غريب في العراق.
في المشهدين، الساحة مغلقة، السلطة غير مراقبة، الهوية الفردية مُجرّدة، والضحايا محاصرون داخل نظام يجعل الألم يبدو وكأنه إجراء طبيعي.
ما يربك هنا ليس التشابه الظاهري، بل التماثل الدقيق في الظروف التي تسمح للشر بالحدوث دون مقاومة.
📌 في ستانفورد:
طلاب جامعيون تقمّصوا دور الحراس، وبدأوا بابتكار طرق إذلال للمشاركين بدافع “فرض النظام”.
📌 في أبو غريب:
جنود شباب صغار السن، وُضعوا في سجن مليء بالمعتقلين العراقيين، دون تدريب كافٍ، وبإشارات ضبابية من القيادة حول حدود التصرف، فبدأوا بإهانة الأسرى، وتصويرهم في أوضاع مهينة.
الكتاب هنا لا يبحث عن التبرير، بل عن التفسير.
زيمباردو يوضح أن العامل الأساسي المشترك هو ما يُعرف بـ”سلطة الموقف”.
حين تكون في مكان يسمح لك بالتحكم في مصير الآخر، وتُمنح أدوات القوة (زي، سلاح، تفويض)، وتُحرم في المقابل من التوجيه الأخلاقي والرقابة، فأنت أقرب بكثير مما تتخيل لارتكاب أفعال شريرة.
واحدة من القصص الواقعية التي تناولها الفصل تتعلق بجندي في أبو غريب، وصف في التحقيق كيف أنه في أول يوم شعر بالصدمة، وفي اليوم الثاني بالتوتر، وفي اليوم الثالث… لم يشعر بشيء.
كان ينفذ الأوامر، يضحك مع زملائه، يلتقط الصور، ويعامل المعتقلين كأنهم “أشياء”.
ما حدث له هو بالضبط ما رآه زيمباردو في ستانفورد: انهيار الحدود بين الدور والشخصية.
في منتصف هذا الفصل، يُظهر زيمباردو المفارقة المؤلمة:
أنه حين عُرضت عليه صور أبو غريب لأول مرة، لم يُفاجأ.
لأنه كان قد “رآها من قبل”، ولكن في نسخة مصغّرة داخل مختبر جامعي.
الفارق؟
أن الأولى كانت تجربة علمية تحت السيطرة.
والثانية كارثة إنسانية في ساحة حرب.
يُفكّك المؤلف العوامل المشتركة بين الحالتين في نقاط واضحة:
- نزع الهوية عن الضحية (أرقام بدل أسماء – ملابس موحّدة – تجريد كامل من الخصوصية)
- تفكك المسؤولية (كل فرد يعتقد أن الآخر هو المسؤول)
- الضغط الجماعي والتنافس داخل الفريق (من يُظهر “حزمًا أكثر” يصبح محل احترام)
- غياب الرقابة الأخلاقية من القيادات العليا
هذه ليست مصادفة، بل منظومة تُنتج نفس السلوك بغض النظر عن الأشخاص.
وهنا يظهر وجه الشيطان كما يراه زيمباردو: ليس كيانًا خارجيًا، بل تلك الآلية الصامتة التي تجعل الناس الطيبين يرتكبون الشر دون وعي.
في قصة أخرى داخل أحد السجون الأمريكية، اكتُشف أن موظفًا كان يضع معتقلين في الحبس الانفرادي لأيام بلا أي مخالفة حقيقية.
وحين سُئل عن السبب قال: “هكذا نُبقي الأمور تحت السيطرة”.
المنطق نفسه، اللغة نفسها، والبرود نفسه.
تمامًا كما حدث في التجربة… وكما حدث في أبو غريب.
زيمباردو هنا لا يلوم فقط الأفراد، بل يفضح “البرميل الفاسد” — ذلك النظام المغلق الذي يُفسد الناس، ويحوّل الأخيار إلى أدوات تنفيذ.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.