تأثير الشيطان: لماذا يتحوّل الإنسان إلى شرير؟

⏱ 38 دقيقة قراءة

👁 15 مشاهدة

📖 الجزء 12 من 18

الفصل الحادي عشر: الشيطنة وتجريد الضحية من إنسانيته — كيف تسبق الكلمات الكدمات؟

أحيانًا لا يبدأ العنف بالصفعة، بل بالكلمة.
عبارة مثل “هم مش زينا”، أو “دول حيوانات”، كفيلة بأن تفتح الباب لسلوكيات لا يجرؤ صاحبها على فعلها تجاه من يراهم بشرًا مثله.
في هذا الفصل من كتاب تأثير الشيطان: كيف يتحوّل الأخيار إلى أشرار، يسلّط فيليب زيمباردو الضوء على أداة خطيرة لا يُنتبه لها كثيرًا: اللغة.

ما يُميز هذا الجزء من تأثير الشيطان أنه لا يتعامل مع العنف كفعل جسدي فقط، بل يذهب إلى ما يسبقه، إلى لحظة الانفصال الذهني التي تجعل الجاني يشعر أن ما يفعله “مبرَّر”.
وهنا يدخل مفهوم “الشيطنة” — أي تقديم الضحية ككائن منحط، غير إنساني، لا يستحق الشفقة.

📌 كيف يحدث ذلك؟
العملية غالبًا تبدأ من أعلى.
وسائل الإعلام، المسؤولون، وحتى الأحاديث اليومية تُعيد تشكيل صورة الآخر:

  • لا يُقال “أسرى حرب”، بل “إرهابيين”
  • لا يُقال “أبرياء”، بل “أعداء مجهولون”
  • لا يُذكر اسم الضحية، بل رقمه أو وظيفته

ومع الوقت، تتآكل صورة الإنسان خلف هذه التسميات.

زيمباردو يربط هذه الآلية بما حدث في سجن أبو غريب.
فالجنود لم يروا في المعتقلين بشرًا متساوين في الكرامة.
بل أصبحوا يرونهم كخطر دائم، ككائنات خارجة عن “النظام الأخلاقي” الذي ينتمون إليه.
فما عاد هناك مشكلة في تجريدهم من ملابسهم، أو إجبارهم على اتخاذ أوضاع مهينة — لأنهم في نظرهم لم يعودوا “أشخاصًا”.

واحدة من القصص الواقعية التي تسند هذا التحليل حدثت خلال الإبادة الجماعية في رواندا.
قبل المذبحة، كانت الإذاعات الرسمية تصف جماعة التوتسي بأنهم “صراصير”.
لم يكن هذا تشبيهًا عابرًا.
بل حملة لغوية مدروسة استمرت لأسابيع.
والنتيجة؟ أصبح القتل لاحقًا أكثر سهولة… لأن الناس لم يعودوا يرون الضحية كـ”بني آدم”.

الكتاب يُصرّ على أن الشيطنة ليست مجرد وصف لغوي، بل أداة منهجية لتسهيل الانتهاك.
فكلما قلت إنسانية الضحية في عين المعتدي، كلما زادت احتمالية حدوث الإيذاء دون مقاومة داخلية.

وفي تجربة ستانفورد، نفس الديناميكية ظهرت:
الحراس بدأوا يتحدثون عن السجناء بأرقامهم فقط.
لم يعودوا يُنادونهم بأسمائهم.
بل صارت هويتهم تختصر في رقم على الزي.
بل حتى حين ينهار أحدهم، لا يُقال “فلان مريض”، بل “السجين رقم 819 فقد السيطرة”.
وكأننا أمام حالة، لا كيان بشري يشعر ويتألم.

وهنا تظهر قوة المفاهيم.
فحين يُصبح أحدهم “خطرًا”، لا تعود هناك حاجة لتفسير العنف ضده.
بل يُصبح رد الفعل الوحيد المقبول هو القسوة.
هذا ليس تحليلًا نظريًا، بل نمط تكرر في الحروب، المعسكرات، السجون، وحتى المؤسسات المغلقة مثل المصحات النفسية ومراكز الإصلاح.

زيمباردو يُبرز أن تجريد الإنسان من إنسانيته لا يحدث فجأة، بل عبر مراحل:

  1. تغيير المصطلحات (من اسم إلى رقم)
  2. التصنيف العدائي (“هم” مقابل “نحن”)
  3. التبرير الثقافي أو السياسي (“هكذا نحمي أنفسنا”)
  4. التحوّل السلوكي (الإيذاء دون شعور بالذنب)

هذه الخطوات تجعل الأخيار يرتكبون أفعالًا شريرة دون أن يشعروا بأنهم تجاوزوا حدًّا.
لأن التصوّر العقلي للضحية قد تغيّر من الأصل.

اترك تعليقاً

khkitab B v2.7.0