تأثير الشيطان: لماذا يتحوّل الإنسان إلى شرير؟

⏱ 38 دقيقة قراءة

👁 15 مشاهدة

📖 الجزء 14 من 18

الفصل الثالث عشر: كيف نُبرر الشر؟ — لماذا لا يشعر البعض بالذنب بعد الأذى

هل لاحظت من قبل كيف ينجو بعض الأشخاص من شعور الذنب وكأنهم لم يفعلوا شيئًا؟
في هذا الفصل العميق من كتاب تأثير الشيطان: كيف يتحوّل الأخيار إلى أشرار، يكشف فيليب زيمباردو الجانب الأخطر من التحول النفسي: تجميل الفعل الشرير من الداخل.
فليس كل من أذى، شعر بالذنب. بل إن الكثير من مرتكبي الانتهاكات كانوا ينامون بهدوء… لأنهم صدّقوا أن ما فعلوه “مبرّر”.

وهنا نقترب من واحدة من أخطر آليات تأثير الشيطان: أن تجعل الإنسان يؤذي، ثم تقنعه أنه ليس فقط لم يخطئ، بل قام بما يجب.

زيمباردو يقسم هذه الآليات النفسية إلى أنماط متكررة، وكل نمط منها يحوّل الفعل المؤذي إلى واجب، أو “سلوك مشروع”، أو حتى إنجاز.


🔹 “أنا مجرد منفّذ”
هذه الجملة من أكثر العبارات تكرارًا في ساحات المحاكم العسكرية، أو داخل تقارير التعذيب.
حين يختفي القرار الشخصي خلف أوامر عُليا، يصبح الفعل محايدًا.
“أنا لا أتحمّل المسؤولية، أنا فقط أطعت التعليمات”.
وهكذا ينتقل الفرد من كونه فاعلًا إلى كونه أداة.

زيمباردو يستشهد بهذا التبرير تحديدًا في تجربته مع المشاركين في سجن ستانفورد، وأيضًا في شهادات الجنود المتورطين في فضيحة سجن أبو غريب، حيث كرر البعض: “كنا نتبع الأوامر”.
ليس لأن الأوامر واضحة… بل لأن الاعتماد عليها مريح نفسيًا.


🔹 “الضحية تستحق ما حدث”
عندما يبدأ الجاني في إقناع نفسه أن من أمامه ليس بريئًا، يصبح الإيذاء أسهل.
“هو اللي اختار كده”، “هي كانت بتتحدى النظام”، “لو ما اتعاملناش بالشدة، الأمور كانت هتفلت”.

في إحدى حالات العنف داخل السجون، سُئل أحد الحراس عن سبب ضرب سجين بقسوة، فقال:
“كان بيتحدانا… لازم نثبت مين المسيطر”.
المخيف هنا أن العقوبة لم تكن استجابة لفعل، بل لإحساس داخلي بأن الكرامة “أُهينت”.

زيمباردو يؤكد أن هذا التبرير لا يأتي من لا شيء، بل من منظومة تشجع على تحويل الأخطاء الصغيرة إلى دلائل على “التمرد”، وتخلق شعورًا دائمًا بأن الآخر يُمثّل تهديدًا.


🔹 “غيري كان هيعمل أكتر مني”
هذه حيلة نفسية شهيرة.
أن تقارن أفعالك بما هو أسوأ، لتبدو أقل قسوة.
“أنا بس كنت بنفّذ أقل من اللي قالولي عليه”، “فيه ناس عملت أكتر مني بكتير”.
بهذه الطريقة، يتم تخفيف الذنب داخليًا… دون أي تعديل في السلوك.


🔹 “كان لازم أختار بين الأمان والانضباط”
هذا التبرير شائع في أماكن الحراسة، الأمن، الجيوش، وحتى في المدارس الصارمة.
يُقنع الفرد نفسه أن القسوة وسيلة ضرورية لضبط الأمور.
أن النظام لا يستقيم باللطف، وأن اللين يؤدي للفوضى.

الخطورة هنا أن الفعل لا يُرى كفعل عنيف، بل كـ”مسؤولية”.
يُصبح العقاب المبالغ فيه رمزًا للالتزام، وليس للتعدي.


🔹 “أنا جزء صغير من شيء أكبر”
أحد أكثر التبريرات خطورة.
أن يشعر الشخص أنه جزء من مؤسسة، وأن فعله هو جزء من سلسلة طويلة من الإجراءات.
لا أحد يتحمل الذنب وحده… وبالتالي، لا أحد يشعر بالذنب.

زيمباردو يشير إلى أن هذا التبرير تحديدًا هو ما جعل الكثير من انتهاكات التاريخ تمرّ دون مقاومة من الداخل:
فالعامل في المعتقل، والضابط في نقطة التفتيش، وحتى الطبيب في معسكرات الإبادة — كلّهم قالوا لأنفسهم: “أنا فقط أنفّذ دوري داخل النظام”.


الكتاب لا يطرح هذه التبريرات ليبرر ما حدث، بل ليكشف آلية عملها بدقة.
لأن الاعتراف بوجود هذه الحيل النفسية هو الخطوة الأولى لفهم كيف يتحوّل الأخيار إلى أشرار دون أن يشعروا أنهم كذلك.

هذه ليست نظريات، بل مشاهد تتكرر في المؤسسات المغلقة، في البيئات العسكرية، في أماكن العمل، بل أحيانًا في البيوت.

اترك تعليقاً

khkitab B v2.7.0