الفصل الثالث: إعداد تجربة ستانفورد – عندما يصبح اللعب بالأدوار بابًا إلى الظلمة
هل تتخيل أن تجربة تستمر فقط لبضعة أيام قادرة على تغيير سلوك الإنسان بالكامل؟ أن شابًا عاديًا قد يتحوّل إلى شخص قاسٍ، فقط لأنه يرتدي زي الحارس؟ هذه ليست فرضية خيالية، بل ما جرى فعليًا في التجربة النفسية التي قام بها عالم النفس الأمريكي فيليب زيمباردو، والتي أصبحت محورًا أساسيًا في كتابه الشهير المعروف عربيًا باسم تأثير الشيطان: كيف يتحوّل الأخيار إلى أشرار.
في هذا الفصل، لا يعرض المؤلف نظريات نفسية جافة، بل يفتح أمامنا كواليس واحدة من أكثر التجارب الواقعية صدمة في علم النفس الاجتماعي. يبدأ الأمر بإعلان بسيط في إحدى الصحف، يطلب متطوعين للمشاركة في دراسة عن “الحياة داخل السجون”. تم اختيار 24 شابًا من بين 75، جميعهم يتمتعون بصحة نفسية وجسدية جيدة، لا سجلات جنائية، ولا سلوك عدواني ظاهر. ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.
تم تقسيم المشاركين عشوائيًا إلى مجموعتين: “سجناء” و”حراس“. ليس بالانتخاب ولا بالمؤهلات، بل بالحظ فقط.
لكن النتائج لم تكن “عشوائية” إطلاقًا.
المكان كان قبوًا في جامعة ستانفورد، حُوّل بدقة إلى بيئة تُشبه السجن الحقيقي: زنزانات، أبواب حديدية، ملابس موحدة، أرقام بدل الأسماء. المشاركون الذين أصبحوا سجناء، تم اعتقالهم فجأة من منازلهم بواسطة شرطة حقيقية، وجرى نقلهم مقيدين إلى الموقع، دون أن يتم إعلامهم بتفاصيل ما سيحدث.
تخيل الأثر النفسي لذلك: أن تتحوّل في ساعات من شاب جامعي إلى نزيل يُجرّ بالحبال في مشهد علني أمام الجيران.
أما من أصبحوا حراسًا، فقد أُعطوا زيًا موحدًا، نظارات سوداء تحجب العيون، وهراوات رمزية. الأهم من ذلك:
لم يتلقوا تعليمات واضحة.
قيل لهم فقط: “احرصوا على النظام، ولا تستخدموا العنف الجسدي”.
لكن، ماذا عن العنف النفسي؟
ماذا عن السلطة التي لا حدود لها؟
ماذا عن الصمت الذي يجعل كل شيء يبدو مقبولًا؟
هنا تبدأ التجربة في التحوّل إلى مرآة مرعبة لما يستطيع الإنسان فعله حين يُمنح سلطة، ولا يُراقَب.
واحدة من النقاط المحورية في هذا الفصل، أن زيمباردو نفسه لم يكن مراقبًا خارجيًا، بل انغمس في دوره كـ”مدير السجن”، وبدأ يتعامل مع المشاركين كما لو كانوا فعلاً سجناء وليسوا جزءًا من دراسة أكاديمية.
وهذه التفصيلة وحدها كفيلة بأن تشرح كيف يمكن لأي شخص، مهما كان متعلمًا أو محايدًا، أن يفقد قدرته على التمييز بين الدور والحقيقة إذا توافرت الظروف.
من القصص الواقعية التي تتقاطع مع هذه الفكرة، ما حدث في معسكر تدريب في إحدى الدول، حيث طُلب من مجموعة من المجندين أن يؤدوا أدوار “مُدرّبين” على زملائهم الجدد.
ما بدأ بتدريب بسيط، انتهى بممارسات إذلال حقيقية: صراخ، حرمان من النوم، وتعمد الإهانة أمام الآخرين.
لم يكن هؤلاء المجندون أشرارًا، لكنهم وُضعوا في دور “السلطة” دون رقابة أو توجيه، ومع الوقت تحوّلوا.
هذا بالضبط ما يحدث في قلب تجربة ستانفورد.
التجربة لم تكن فخًا للمشاركين، بل كانت اختبارًا للمنظومة النفسية والاجتماعية التي تجعل من الأخيار يرتكبون أفعالاً شريرة دون أن يشعروا أنهم خرجوا عن المعقول.
وهنا يتجلى معنى تأثير الشيطان، ليس كمخلوق خرافي، بل كأثر داخلي يتحرّك عندما تُخلق البيئة المناسبة له.
في هذا الفصل، لا يتحدث زيمباردو عن “أشخاص سيئين”، بل عن طريقة إعداد “موقف فاسد” يُطلق ما في النفس البشرية من ظلال، ويجعلنا نرى الناس العاديين كما لم نتخيلهم من قبل. ليسوا منحرفين، بل مُنحرفين بالأدوار… بالسياق… بالصمت.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.