الفصل السادس: حين يصبح العنف جزءًا من النظام — عندما يُطبع الألم ويُنسى الوجدان
هل فكرت يومًا أن العنف لا يولد فقط من الكراهية، بل أحيانًا من التكرار؟ من التعود؟ من الصمت؟
في هذا الفصل من كتاب تأثير الشيطان: كيف يتحوّل الأخيار إلى أشرار، يقترب فيليب زيمباردو من لحظة التحوّل الأخطر: النقطة التي يتوقّف فيها العقل عن رفض القسوة، ويبدأ في قبولها، بل وتبريرها، وكأنها جزء طبيعي من “النظام”.
ما يجعل هذا الفصل محوريًّا في تأثير الشيطان ليس فقط رصده للأحداث داخل تجربة سجن ستانفورد، بل أنه يرينا كيف يُصبح العنف روتينًا إذا استمر دون اعتراض.
في البداية، كل تصرّف قاسٍ كان يُقابل بنظرات مترددة… نوع من الحذر الأخلاقي.
لكن مع مرور الوقت، ومع تكرار السلوك، فقد الحراس حساسية رد الفعل.
لم يعد هناك صراع داخلي، بل تطبيع واضح للسلوك العدواني.
هكذا تحوّل التعذيب النفسي من لحظة استثنائية إلى مشهد يومي:
إيقاظ متكرر في منتصف الليل، أوامر صارمة دون تفسير، إجبار على الوقوف لساعات، حرمان من الطعام، صراخ بلا سبب.
أحد السجناء، في اليوم الخامس، دخل في حالة من الإنكار الكامل للواقع، جلس على الأرض وبدأ يتحدث إلى نفسه كأنه طفل.
ولم يُنظر إليه كمريض أو إنسان منهار… بل كـ”سجين مزعج” يجب عزله.
المخيف هنا أن زيمباردو نفسه لم يكن مستثنًى من هذه العدوى النفسية.
بدأ يفكّر كبير السجن، لا كباحث.
يضع جداول للمراقبة، يُقيّم أداء الحراس، ويطلب تقارير يومية كما لو أن ما يجري حقيقي.
وهذه، بحسب وصفه، كانت لحظة الإدراك التي دفعته لاحقًا إلى إيقاف التجربة بالكامل.
واحدة من القصص الواقعية التي تُشبه هذا النمط النفسي، جاءت من إحدى وحدات الشرطة الخاصة في مدينة غربية.
كان هناك برنامج داخلي لتدريب الضباط الجدد، يتضمن سيناريوهات عنف مضبوطة مسبقًا.
لكن بعد أسابيع، بدأت “السيناريوهات” تتحوّل إلى أفعال واقعية.
المدربون وجدوا أنفسهم يستخدمون نفس أساليب الضغط في الحياة اليومية، لأنهم ببساطة تعوّدوا عليها.
الأصوات المرتفعة، الكلمات المهينة، وحتى التهديدات، أصبحت أدوات روتينية للحفاظ على السيطرة.
وهنا يظهر جوهر تأثير الشيطان كما يشرحه الكتاب:
الشر لا يحتاج إلى قرار حاد، بل إلى غياب تدريجي للرفض.
حين تُكرَّر القسوة بما يكفي، يبدأ الإنسان في رؤيتها كأداة، لا كجريمة.
يبدأ في تصنيفها: “ليست بهذا السوء”، “جزء من النظام”، “هم يستحقون”.
ويبدأ في تحييد ضميره.
واحدة من أخطر مراحل التجربة كانت حين أصبح الحراس يتبادلون القصص عمّا فعلوه بالسجناء، لا كأفعال شنيعة، بل كأمثلة “على السيطرة الناجحة”.
ضحكاتهم كانت صادقة.
هذا لا يعني أنهم وُلدوا شياطين، بل أنهم سقطوا تدريجيًا في فخ الظروف، والسلطة، والتكرار.
الكتاب لا يلوم الأفراد، بل النظام الذي يسمح بهذا التدهور الصامت.
حين لا توجد محاسبة، ولا إشراف خارجي، ولا مساءلة داخلية، يصبح الإنسان مرنًا بشكل خطير… يتكيّف حتى مع ما لا يُحتمل.
الفصل السادس يثبت أن الخطر ليس فقط في القسوة، بل في الاعتياد عليها، وفي اللغة التي تُخفي حقيقتها، وفي الجو الجماعي الذي يجعل من الألم وظيفة، ومن الإذلال مظهرًا من مظاهر “الالتزام”.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.