الفصل الخامس عشر: “البرميل الفاسد” لا التفاحة الفاسدة — المشكلة في المناخ، لا الفرد
لو رأيت جريمة، فمن الطبيعي أن تفترض أن المجرم “فاسد” أو “مريض نفسي”.
لكن ماذا لو كانت البيئة كلها ملوثة، والنظام نفسه هو من يدفع الناس للخطأ؟
هنا، في هذا الفصل المحوري من كتاب تأثير الشيطان: كيف يتحوّل الأخيار إلى أشرار، ينتقل فيليب زيمباردو من تحليل الأفراد إلى تحليل “المنظومة”.
الحديث لم يعد عن “التفاحة الفاسدة”، بل عن البرميل الفاسد الذي يُفسد كل من يوضع بداخله.
هذا التغيير في زاوية النظر يُعد من أخطر الأفكار التي يناقشها تأثير الشيطان.
فالتركيز التقليدي في تقييم الشر دائمًا يقع على “من فعل”، بينما يغفل عن كيف وُضع هذا الشخص في بيئة تشجّعه، وتصمت، وتبرّر، وتكافئ السلوك المؤذي؟
زيمباردو يقارن بين نوعين من التفسيرات:
🔹 الأول: تفسير فردي بسيط
- “هذا الشخص عدواني بطبعه”
- “هو سيئ منذ البداية”
- “مجرد عنصر شاذ في مجموعة صالحة”
وهي طريقة شائعة في الإعلام والمحاكم وحتى المجتمعات، لأنها مريحة وسهلة:
“نرمي المشكلة على فرد، ونتنفس الصعداء.”
لكن هذا التفسير، كما يوضح زيمباردو، سطحي وخادع.
لأنه يتجاهل كل العناصر الخفية التي ساعدت هذا “الفرد” على التصرف بهذا الشكل.
🔹 الثاني: تفسير نظامي شامل
فيه يسأل الباحث:
- ما نوع القيادة في هذه البيئة؟
- ما القواعد التي تحكم السلوك؟
- هل هناك رقابة؟
- ما الذي يُكافَأ عليه وما الذي يُعاقَب؟
- كيف يُنظر للضحايا؟
زيمباردو يُشير إلى أن الأنظمة القمعية، سواء كانت في سجون، مؤسسات، أو حتى إدارات، تبني تدريجيًا مناخًا يجعل الأفعال الشريرة تبدو عادية.
وهنا تظهر فكرة البرميل الفاسد:
أن النظام نفسه — بقوانينه، لغته، هيكل سلطته، ومكافآته — هو من يُعيد تشكيل الأشخاص من الداخل.
ولعلّ أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث في فضيحة أبو غريب.
لم يكن الجنود الذين ارتكبوا الانتهاكات مجرمين محترفين.
كانوا شبابًا في العشرينات، لا سجل عدلي لهم، يعملون في ظروف متوترة، مع إشارات رمادية من القيادة.
لكن حين وُضعوا في هذا “البرميل” — غياب الإشراف، الضغط، غموض المهمات، تجريد المعتقلين من إنسانيتهم — بدأوا في ارتكاب أفعال لا تُبرر.
ولم يكن أحد يوقفهم.
لأن البيئة من حولهم سمحت، أو صمتت، أو حتى شجّعت بشكل غير مباشر.
واحدة من القصص الواقعية التي يعرضها الفصل، تعود إلى أحد أقسام الشرطة، حيث كان عدد من الضباط يمارسون أساليب استجواب مهينة للمشتبه بهم.
الغرابة أن هذا الأسلوب بدأ من واحد فقط، ثم ما لبث أن أصبح طريقة شائعة، لأن “النتائج كانت أسرع”.
بمرور الوقت، لم يعد يُنظر إليه كسلوك خاطئ، بل كجزء من “الفعالية المهنية”.
وهذا هو بالضبط ما يصفه زيمباردو كـ تلوث جماعي للسلوك، ناتج عن فساد السياق لا فساد الأشخاص.
في تحليل زيمباردو، يظهر أن الناس لا يحتاجون إلى نية سيئة ليرتكبوا أفعالًا شريرة، بل فقط إلى نظام لا يمنع… وأحيانًا يُكافئ.
الكتاب هنا لا يُدافع عن مرتكبي الأخطاء، لكنه يعيد صياغة السؤال:
بدلًا من أن نسأل “من السيئ؟”، علينا أن نسأل: “أي نظام جعل الخطأ يبدو صحيحًا؟”.
هذه الزاوية هي التي تُبرّر لماذا يظهر الشر في أماكن متكررة بنفس الصورة، حتى لو تغيّر الأشخاص.
لأن البرميل نفسه لم يتغير.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.