الفصل الثاني: الطاعة والسلطة – حين تصبح الأوامر أقوى من الضمير
قد تندهش حين تعرف أن الكثير من الجرائم الكبرى لم تكن بدافع الكراهية، بل بدافع الطاعة.
نعم، قد يُنفّذ الإنسان أفعالًا شريرة لأنه فقط تلقّى أمرًا ممن يعلوه سلطة. هذا تمامًا ما يُسلّط عليه الضوء الفصل الثاني من كتاب تأثير الشيطان: كيف يتحوّل الأخيار إلى أشرار، وهو ما جعل هذا الجزء من هذا الكتاب ليس فقط تحليلًا للسلوك البشري، بل دعوة جريئة لفهم النفس… ولتعلُّم كيف نكون أبطالًا في المواقف اليومية التي تبدو عادية لكنها تُصنع فيها الأخلاق أو تنهار. ، أو كما تُرجم إلى العربية بعنوان تأثير الشيطان: كيف يتحوّل الأخيار إلى أشرار.
لا ينتظرك المؤلف حتى يقدّم نظريته تدريجيًا… بل يُلقي بك مباشرة داخل أسوار سجن أبو غريب، حيث ينهار كل ما ظنناه ثابتًا في شخصية الإنسان.
من أكثر أجزائه إرباكًا وإثارة للقلق.
تجربة ميلغرام الشهيرة، التي بُني عليها هذا الفصل، كانت بسيطة في شكلها، لكنها مرعبة في نتائجها. تمّ اختيار مجموعة من الأشخاص العاديين – لا خلفيات إجرامية، لا خلل نفسي – ووُضعوا أمام جهاز يُصدر صدمات كهربائية.
مطلوب منهم أن يعاقبوا رجلًا يجلس في غرفة مجاورة (وهمي في الحقيقة) كلما أخطأ في الإجابة، وذلك عن طريق زيادة قوة الصدمة تدريجيًا.
ما الذي حدث؟
الغالبية العظمى من المشاركين استمرّوا في الضغط على الزر، حتى عندما سمعوا صرخات الضحية تتوسل، بل وحتى حين توقف عن الرد تمامًا.
كل ذلك لأن رجلًا يرتدي معطفًا أبيض، بصوت هادئ، كان يقول: “استمر، التجربة تتطلب ذلك”.
هكذا ببساطة. لا تهديد، لا رشوة، فقط “سلطة علمية”… وكأنها تمثل الكتاب المقدّس في تلك اللحظة.
هنا يكشف زيمباردو عن واحدة من أخطر خصائص النفس البشرية:
حين نشعر أننا لا نتحمل المسؤولية، يمكننا أن نفعل أي شيء.
وهذه هي بذرة الشر في أكثر صوره هدوءًا.
الإنسان لا يحتاج أن يكون شيطانًا ليؤذي، بل أن يشعر أن القرار ليس قراره.
ما يجعل هذا الفصل ثريًا ليس فقط التجربة، بل التحليل العميق لما يُعرف بـ”تفكك المسؤولية”.
حين لا يشعر الإنسان أنه مسؤول بشكل شخصي عن نتائج أفعاله، تصبح الحدود الأخلاقية باهتة.
أضف إلى ذلك الزي الرسمي، التعليمات، ووجود شخص يُمثّل “السلطة”، وستحصل على وصفة كاملة لتحوّل الأخيار إلى أدوات للطاعة.
من القصص التي تُشبه هذا المشهد بشكل غريب ما حدث في إحدى وحدات الجيش، حيث تلقّى الجنود أمرًا بتفتيش قروي بسيط في ساعة متأخرة من الليل.
أحدهم كان مترددًا، قال: “الرجل يبدو بريئًا”.
لكن القائد قال بثقة: “لا تفكّر، فقط نفّذ.”
النتيجة؟ اقتيد الرجل مقيد اليدين أمام أطفاله، وتعرّض للضرب، فقط لأنه لم يحمل بطاقة هوية.
وبعد التحقيق، تبيّن أنه لم يكن سوى فلاح بسيط ضلّ الطريق.
لا أحد من الجنود شعر بالذنب في اللحظة نفسها… لأن السلطة كانت حاضرة.
هذا هو “التأثير” الذي يتحدث عنه الكتاب.
تأثير لا يُشبه صور الشيطان القديمة، بل هو هادئ، يرتدي زياً عسكريًا، أو معطفًا أبيض، أو حتى بدلة رسمية، ويقول لك: “افعل… ولا تسأل”.
في تحليل زيمباردو، يظهر أن الطاعة ليست دائمًا عيبًا، لكنها تصبح خطرة جدًا حين نُعلّق بها وعينا الأخلاقي.
والأخطر أن النظام قد يكافئ هذا النوع من الطاعة.
أن تُنَفِّذ، ولو كان ما تنفذه مؤلمًا… فهذه فضيلة في بعض البيئات.
الكتاب لا يقول إن الناس سيئون، بل يقول إن الظروف، حين تُهيّأ، قادرة على أن تُبدّل طبيعة السلوك الإنساني بشكل مرعب.
ويتحوّل الفرد، تدريجيًا، من شخص يرفض الإيذاء إلى شخص يُبرّره… بل أحيانًا يُتقنه.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.