الفصل الرابع: تحوّل الأدوار إلى واقع — حين ينسى الإنسان مَن يكون
هل يمكن لدور مؤقت أن يُبدّل ملامح الشخصية بالكامل؟ أن يرتدي أحدهم زيًا، فيتغيّر صوته، سلوكه، وحتى مشاعره؟ في هذا الفصل، يُخرجنا زيمباردو من مرحلة “التجربة” إلى لحظة التحوّل الفعلي، حيث يتحوّل اللعب بالأدوار إلى واقع نفسي مرعب.
هنا، لم يعد ما يحدث في سجن ستانفورد مجرد محاكاة… بل أصبح واقعًا بديلًا، يتحوّل فيه المشاركون من “طلاب جامعيين” إلى سجناء حقيقيين وحراس قساة.
الشرارة الأولى لهذا التحوّل لم تكن قرارًا واعيًا، بل سلسلة من التغيرات الدقيقة.
في البداية، بدأ بعض “الحراس” بإصدار أوامر بسيطة: الاستيقاظ المبكر، الوقوف لفترة طويلة، نداء الأرقام بدل الأسماء.
لكن خلال يومين فقط، تطوّرت هذه الأوامر إلى عقوبات مهينة: الوقوف في وضعيات مرهقة، حرمان من الطعام، إجبار السجناء على تكرار جمل مُذلة.
اللافت أن أغلب الحراس لم يُطلب منهم فعل ذلك. لم تأتِ أوامر مباشرة.
بل كان هناك شعور داخلي بأنهم يمتلكون السلطة.
سلطة مُطلقة في بيئة مغلقة، بلا رقابة، بلا عواقب.
في المقابل، بدأ “السجناء” في الانكسار.
بعضهم فقد الشعور بالزمن، البعض الآخر بدأ يعاني من أعراض نفسية واضحة: بكاء لا يمكن التحكم فيه، نوبات هلع، وحتى فقدان مؤقت للهوية.
كانوا يُنادون بأرقامهم، يُجبرون على الوقوف لساعات، ويُعزلون عن الآخرين.
وهنا تظهر قوة نزع الهوية، وهي واحدة من أبرز آليات الشر كما يشرحها الكتاب.
من المواقف الواقعية التي تعكس ما حدث، قصة حقيقية لضابط أمن شاب بدأ عمله في أحد مراكز احتجاز المهاجرين.
في أسبوعه الأول، كان يعامل الجميع بلطف، حتى أن زملاءه وصفوه بـ”الطيب زيادة عن اللزوم”.
لكن بعد فترة، وتحت ضغط الفريق، بدأ في “تشديد لهجته”.
لاحقًا، صار يُعامل المحتجزين بجفاء.
ليس لأنه أصبح شريرًا، بل لأنه تقمّص دوره الجديد بكل ما يحمله من رموز قوة وهيمنة.
هذا ما حدث في سجن ستانفورد.
لم يكن أحد يتصنّع. بل بدأ كل شخص يرى العالم من خلال موقعه الجديد.
الحراس أصبحوا مصدر السلطة، والسجناء فقدوا القدرة على الدفاع عن ذواتهم.
حتى زيمباردو نفسه، الذي يُفترض أن يكون “الباحث المحايد”، بدأ يُعامل السجناء كما لو أنهم تحت سلطته الفعلية.
الكل انزلق دون وعي.
وهنا يتضح “تأثير الشيطان” في أقوى صوره:
ليس في أن تُجبر شخصًا على ارتكاب خطأ، بل في أن تُعطيه بيئة تجعل الخطأ يبدو طبيعيًا.
أن تخلق نظامًا يجعل من الناس العاديين يرتكبون أفعالاً شريرة دون أن يشعروا أنهم فعلوا شيئًا خارجًا عن المألوف.
الفصل لا يصف التغيّر فقط، بل يرسمه بدقة:
- يبدأ بسلطة رمزية
- ثم يتبعها تمثيل للدور
- ثم تتسلل القسوة شيئًا فشيئًا
- ثم يحدث التبرير الذاتي
- ثم الانفصال عن الواقع
- إلى أن يصل كل طرف إلى نقطة لا يرى فيها نفسه كما كان.
هذا التحوّل لم يكن متوقعًا، ولا مفتعلًا، بل ناتج عن تفاعلات نفسية عميقة تم تحفيزها عبر الأدوار، العزلة، والهيمنة.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.